روجيري: ميسي ليس دييجو.. وفالدانو يحمل حقيبة من الكتب للمونديال

0

اجمل ما يمكن فعله في يوم السبت هو ان تصحو متأخرا وتصنع قهوتك بنفسك دون ضجيج الأطفال، تفتح التلفاز وتكون المفاجأة السارة أن اوسكار روجيري بطل مونديال 1986 يكون ضيفا على احد البرامج الرياضية، هذا المدافع في سان لويرنزو وريال مدريد الاسباني سابقا روائي كبير ولكنه لا يكتب، رواياته صوتية فهو يستطيع نقلك بسلاسة الى عالم آخر، فيلم سينمائي جميل ستعيشه عندما يتحدث روجيري عن الذكريات، كواليس لا تعرفها مهما بلغت مصادرك قوة، ما هو جميل مع روجيري أنه كان يراقب الاحداث بصمت عميق، يوثق الاحداث في ذاكرته الجميلة. يستطيع أي لاعب أن يحكي لك الكواليس الخاصة بمونديالات 1986 و1990 و1994 ولكن ليس بأسلوب روجيري الساحر. روجيري أيضا تحدث عن المقارنة بين ميسي ومارادونا قائلا: «ميسي لاعب لا يقارن ولكن مارادونا في مكانة أعلى بكثير من الجميع بما فيهم ليونيل ميسي، ليو ليس مارادونا وهو لا يلعب بنفس الأسلوب، ميسي ينطلق بالكرة بنفس النسق وسرعته في الجري بالكرة مع التحكم بها لا يقاوم، مارادونا ينطلق بشكل مختلف واسلوبه افضل لأنه ينطلق بتحكم كبير أيضا وسرعة مثل ميسي لكنه يغير الرتم بطريقة مذهلة، ينطلق بسرعة ويقف فجأة مما يجعل المدافعين في حالة عدم اتزان ثم ينطلق، تغيير الرتم لدى مارادونا لا يملكه أي لاعب، ربما كان جارنشيا البرازيلي يفعل ذلك لكن على الجناح، مارادونا يستطيع فعل ذلك في أي مكان من الملعب. مارادونا سجل أهدافا اكثر برأسه على الرغم من أنه قصير مثل ميسي، ودييجو أفضل في الضربات الحرة أيضا. هل سيفعل ميسي ما فعله مارادونا لو لعب في نابولي؟. سيكون رائعا لا شك ولكن الدوري الإيطالي أيام مارادونا كان يجمع كل نجوم العالم ودييجو فعل بهم ما فعله، لقد قاد نابولي للفوز بالاسكوديتو في إيطاليا مرتين، مارادونا مختلف حقا مع كامل احترامي لميسي وموهبته، أنا احب ميسي ليس لأنه ارجنتيني فقط بل لأنه لاعب استثنائي ولكنه ليس دييجو».

مونديال المكسيك والهاتف الوحيد

يقول روجيري عن ذكرياته في مونديال 1986 في المكسيك: «لقد اختار بيلاردو ان نعسكر في جزيرة هناك، الغرف كانت مريحة على الرغم من أنها خشبية، باساريلا كان يحب شواء اللحم على الطريقة الأرجنتينية، كان يضع موقد الشواء أمام سريره في المعسكر، كنا نخشى عليه من زيادة الوزن، لكنه كان محترفا جدا، لم يكن سعيدا بقرار بيلاردو الذي قضى بأن يكون مارادونا هو الكابتن، بيلاردو كان القائد قبل مارادونا لكن بيلاردو قرر سحب الشارة منه، لم يكن هناك سبب سوى أن بيلاردو كان يرى بأن مارادونا اصبح يستحق حمل الشارة اكثر من الجميع، كنت انظر لباساريلا وهو  يجلس بصمت في المحاضرات التكتيكية، كان يوزع نظراته بخلسة نحو مارادونا وبيلاردو، ادركت بأنه لن يقوم بشيء يعكر صفو المنتخب، تلك النظرات لم تكن مريبة بل تدل على أنه تقبل القرار على مضض، كان هناك فالدانو واذكر أنه اتى للمطار قبل مغادرتنا بحقيبتين كبيرتين، استغربنا من ذلك الأمر وسألته لماذا جاء بتلك الحقائب، في الوهلة الأولى فكرت بأنه لن يعود معنا بعد البطولة للأرجنتين، وربما جمع كل ثيابه ليذهب مباشرة إلى مدريد بعد ذلك، لم استطع أن اخفي فضولي فتقدمت منه وسألته عن سر الحقيبتين، اجابني أن الحقيبة الأولى هي الاعتيادية أما الثانية فهي مليئة بالكتب أيها الجاهل!.

فالدانو رجل رائع ولكننا ذاهبون للعب المونديال وليس لتقديم رسالة الماجستير. في المكسيك كان يحمل كتابا طوال الوقت ويقرأ، حتى أنني شاهدته يقرأ في الملعب قبل حصة التمرين، لم يكن منتخبا عاديا بل عالم مجنون، حقيبة من الكتب وآخر يشوي اللحم في غرفته!. مارادونا كان عالما بحد ذاته حيث كان يقضي الوقت كله أمام الهاتف، لم تكن هناك موبايلات والتقنيات الحديثة، كان في المعسكر هاتف عمومي واحد وكنا نقف في طابور طويل ننتظر مارادونا ينهي مكالماته، لم نكن نستطيع فعل شيء أو أن نطلب منه أن يترك الهاتف، تنتظر لساعة تقريبا ثم يصيبك الملل وتخرج من الطابور في يأس، كنت اشاهد اللاعبين ينسحبون من الطابور يوميا واحدا تلو الاخر دون ان يتحدثوا لعوائلهم فدييجو لم يكن يترك لنا مجالا، في احد الأيام جاءنا الرئيس خوليو جروندونا ودخل قاعة اجتماع اللاعبين وقال لنا، هناك فاتورة كبيرة يجب ان تدفعوها، قيمة الاتصالات تساوي 800  دولار لكل فرد، عليكم ان تدفعوا جميعا، نظرنا لدييجو الذي أشار بأصبعه لنسكت، تم خصم 800 دولار من مستحقات كل لاعب ومارادونا هو الذي كان يتحدث دوليا مع كل العالم.

أتذكر أن مكافآت االفوز بالمونديال كانت 33 ألف دولار لكل لاعب، في هذه الأيام لا يعتبر اللاعبون هذا الرقم شيئا!. مارادونا على الرغم من أنه تسبب في دفع كل لاعب لـ 800 دولار لمكالماته إلا أنه اعطانا الفرح، كان قائدا حقيقيا للمجموعة، في مباراة إنجلترا كان يتحدث إلينا في الممر ويقول، علينا أن نهزم هؤلاء الحمقى، علينا تأديبهم وننتقم منهم بسبب حرب جزر مالبيناس (جزر الفوكلاند) لقد قتلوا جنودنا وعلينا الثأر منهم هنا، مهما حدث سنفوز وبأي وسيلة ممكنة، لقد فعلها وسجل هدفا بيده، لقد سخرنا منهم طوال الليل بعد المباراة».

مونديال إيطاليا والاصابع المتورمة

في مونديال إيطاليا يتذكر روجيري الاحداث قائلا: «في اليوم الأول من وصولنا إلى إيطاليا اجتمع بنا بيلاردو وقال: مارادونا هو اللاعب الأساسي الوحيد في التشكيلة، أما انتم جميعا عليكم أن تثبتوا انكم تستحقون اللعب في المونديال، نظرنا لبعضنا قليلا، في الحقيقة كان الجميع راضيا بذلك، فلم يعد لدينا لاعبين قدامى مثل باساريلا وفالدانو، اللاعبون الباقون أقل شأنا من مارادونا ولدينا لاعبين جدد مثل كانيجيا، سيطرة مارادونا كانت أقوى من أي وقت مضى على المجموعة، كان يجرؤ على مناقشة التشكيلة مع المدرب ويقترح أحيانا من يبدأ المباراة، كان ذلك طبيعيا لأننا كنا نعتمد عليه وكانت نجوميته بلغت حدا لا يصدق، في إيطاليا كانوا يعاملوننا بشكل خاص بسبب مارادونا وما فعله لنابولي، الايطاليون اعتبروا المونديال  صراعا بين انديتهم فمعظم نجوم المونديال كانوا يلعبون في الدوري الإيطالي، انتر ميلان كان لديه ماتيوس وبريمه والميلان كان لديه الثلاثي الهولندي فان باستن وغوليت وريكارد، لكننا كنا نملك مارادونا وهو الاسم الأكبر في العالم، بعد يومين جاء الأطباء وقالوا لمارادونا أنه لا يستطيع اللعب لأنه كان مصابا في قدمه، أصابعه كانت متورمة، لم يكن يستطيع لبس الحذاء، كانت صدمة كبيرة لنا، أتذكر ليلتها لم ينم أحد في معسكر المنتخب، كنا نفكر نحن اللاعبون بالسيناريو الأسوأ، كيف سنلعب بدون مارادونا، نحن بدونه أضعف من المانيا وهولندا وإيطاليا والبرازيل، دييجو كان مصرا على اللعب حتى أنه طلب من الأطباء تخديره ولكن ذلك لم يكن حلا من وجهة نظرهم، ستتفاقم اصابته لو لعب تحت التخدير، بيلاردو كان قلقا جدا، مارادونا في الملعب حتى لو كان ميتا كان يرعب الخصوم، كان لابد من البحث عن حل لهذه المشكلة، بعدها اقترح احد الأطباء صناعة واق لقدم دييجو الذهبية، صنعوا الواقي الذي يجعل اصبعه حرا داخل الحذاء، لقد استخدموا مادة خاصة بصناعة هيكل الطائرات، لعب مارادونا مصابا في تلك المباراة، وقضى على البرازيل في اصعب مباراة لعبناها، البرازيليون كانوا أفضل في المباراة وضغطوا علينا، بيلاردو طلب منا الصمود دفاعيا، كنا في الملعب ننظر لدييجو، ننتظر أن يفعل شيئا ما، حركة واحدة على الأقل، كنا مستسلمين للضغط البرازيلي ونقاوم بكل قوانا، في لحظة وصلت الكرة لدييجو الذي مررها بعبقرية لكانيجيا وسجلنا الهدف، كانت لقطة المونديال بالنسبة لنا.. في مباراة إيطاليا كنا أكثر ثقة لأن جمهور نابولي كان معنا ضد منتخب بلاده، هل يستطيع أي لاعب اخر غير مارادونا أن يجعل الناس خونة لبلادهم؟.».

مونديال 1994 عندما أخّروا اغتيالنا!

في الولايات المتحدة كنا عازمين على الفوز باللقب، كنا نضع المانيا كمنافس كبير، مونديال كان يمكن أن ينتهي بنفس السيناريو لثالث مرة، الأرجنتين وألمانيا في النهائي من جديد، الامريكان الشماليون كانوا يعرفون بحالة مارادونا قبل بدء المونديال لكنهم كانوا أكثر خبثا وخسة من أي وقت مضى، لم يفحصوا مارادونا قبل البطولة لأنهم كانوا يريدون وجوده للترويج للمونديال وتحقيق المكاسب المادية، فور انتهاء ذلك وتحقيق المطلوب قرروا الإطاحة بنا، لم يكن رئيس الاتحاد الدولي البرازيلي جواو هافيلانج  يرغب في رؤيتنا نفوز، ربما سئموا في الاتحاد الدولي من سيطرة ارجنتينية المانية على نهائي المونديال، جاء الأطباء المختصون في فحص اللاعبين لمقر التدريب قبل مباراتنا الحاسمة في دور الستة عشر أمام رومانيا، واقتادوا مارادونا، لقد امسكت الطبيبة دييجو من يده في أسلوب غير مهذب وتم اقتياده للفحص، شعرنا ان هناك شيء ما يدبر خلف الكواليس، بعدها جاء مارادونا حزينا وجلس في الزاوية الأخرى من الملعب، فجأة تجمع عدد غفير من الصحفيين حوله، دائما ما كان مارادونا محاطا بالصحفيين ولكن في تلك المرة كان عددهم اكثر من أي وقت مضى، من اخبر الصحفيين أن يستعدوا للحدث، وكيف عرفوا أن موعد الاختبار كان في ذلك الوقت؟. كل شيء كان مدبرا، توجهت لمارادونا ودفعت بعض الإعلاميين وسألت ما الذي يحدث، اخبروني أن النتيجة كانت إيجابية والفحص اكد بأنه تناول شيئا محظورا كما ادّعوا حينها!، ولكنه نفى ومن يؤكد لنا أن الفحص كان إيجابيا، هم يقولون ذلك وعلينا أن نصدق ونقبل دون مجادلة، صدر القرار بسرعة مذهلة  بإبعاده عن المونديال،  لقد تعرضنا لضربة نفسية موجعة، وخسرنا بعدها على الرغم من اننا كنا نملك لاعبين ممتازين مثل كانيجيا وباتيستوتا وسيميوني ورديندو والحارس جايكويتشا، لم نكن نستطيع التركيز بسبب الصخب الذي حدث حولنا. كان طريق المانيا مفتوحا للفوز باللقب، كان منتخبهم قويا ولكن كان يجب ابعادهم أيضا، ضربة جزاء لم تحتسب لهم في مباراة بلغاريا وخرجوا من البطولة، فازت البرازيل واصبح جواو هافيلانج سعيدا، ربما لو اخرجوا مارادونا قبل المونديال كنا سنتكيف بشكل اكبر لكنهم أرادوا وجوده في اول مبارتين لأنهم أرادوا استغلال اسمه الكبير في الترويج للمونديال».

Share.

اترك رد