الرقم ١٣ لم يعد منحوساً… تلك الليلة التي لم تنم فيها الكويت…!

0

البعض جلب معه الفوضى من مسقط.. والآخر أراد الظهور في شاشات الآخرين

قميص المنتخب يثير مشكلة ليلة النهائي.. ورسالة نصية تعيد الأمل ..!

منسق المنتخب يتركه للتعليق… والبعض يريد التسلق على حساب الآخرين

بين مسقط والكويت – فهد التميمي

وصفّر الحكم.. وانطلقت المباراة.. ليعود بي التفكير الى آخر ٧٢ ساعة قبل المباراة لخليجي ٢٣..
اتذكر كل شيء بسرعة البرق.. وكأنني احتضر.. شذرات من القلق والفخر .. وشتات الذهن نتيجة طبيعية لتقلبات الأمور.. وبغض النظر عن نتيجة الأحمر هذه الليلة.. يجب أن أبوح بكل ما يعتريني من خواطر..!
لن اتحدث عن (جلسة) ودية مع رئيس الاتحاد قبل مباراة نصف النهائي.. ولن أبوح بما كدّر صفو ذهني.. فهنا في الكويت تكفيك ابتسامة أهلها.. لتغض الطرف هنا عن تصرفات (جماعية) لمن لا يزال يظن نفسه أنه مسؤول عن الاعلام العُماني.. يوجهه كيفما يشاء.. يُعطي غرف (الشيراتون) لمن يريد.. ليس مشكلة لديه.. أخ .. صديق .. زميل.. حتى البعض جلب عائلته معه.. وعلى حساب اللجنة المنظمة.. والبطاقات الاعلامية تُعطى حتى لمن كان اخر عهد له بالصحافة على ايام (داحس والغبراء)..!
المهم أن يكون موجوداً.. والمهم أن يظهر في الصورة.. وليس مستغربا أن يتنقل (هو وفريقه) من قناة إلى أخرى ليخلط (الهيل بالفلفل) .. بدون دراية في فن إدارة الحوار.. ومن السهل استدراجه نحو زاوية ضيقة.. تماما مثل عقله..!
الخامسة عصر الأربعاء.. نجتمع برئيس الاتحاد.. وكلام ليس من المهم ان نعرفه.. وديياجة تمنيت ان أكسرها مبكرا.. قبل أن اكسرها في اخر الاجتماع.. حينها تحدثت عن الاتحاد المتناقض في كل شيء.. ينفي ويثبت.. يضحك ويبكي.. يقف ويجلس.. في نفس الوقت..!
لن اتحدث عن التمرين الأخير للمنتخب.. وكمية الشحن السلبي الذي تفنن أصحابنا في تقديمه.. بداية من حفل الاستقبال للمنتخب الذي أعلن قبل المباراة النهائية.. ونهاية بتصرفات لا مسؤولة من بعض أفراد البعثة..
لا علينا… فبعد التمرين وجدت أول فرصة حقيقية لي للاستمتاع بأجواء الكويت بعيدا عن البطولة.. ولَم أكن ملتزما بالظهور في القنوات الرياضية الخليجية.. وربما هذا الامر ترافق مع غياب (ملك السيلفي) عن الساحة في هذه البطولة.. وهذا ما (زعّل) أصدقائي الخليجيين مني.. ولَم ألبي سوى ثلاث دعوات.. الاولى مع قناة سعودية لدقيقتين.. والثانية لقناة كويتية لثلاث ساعات على الهواء.. والثالثة والاخيرة مع قناة عمان الرياضية لمدة ٥ دقائق.. في ليلة المباراة..!
الوضع في الكويت لا يشبه الوضع في الرياض.. هناك كانت الأمور مهيأة من قبل الاتحاد ومن قبل الإخوة السعوديين..!
هنا الامر كله يتدبره الإخوة الكويتيون .. ولَم يكلف الاتحاد نفسه عناء التصرف.. الا عندما نذهب لهم ونسألهم بإلحاح..!
لا يهمني.. فبعد التمرين ذهبت للحلاق.. وبعدها تجولت في شوارع الكويت.. لا ألوي على شيء سوى الابتعاد عن الضغط.. ذلك الضغط الذي زاده تصرف وصلني وانا أتناول العشاء في سوق المباركية.. ففي تمام الحادية والنصف مساء بتوقيت الكويت.. وصلني مقطع فيديو لتصرف قام به نجم عماني في قناة رياضية اماراتية.. التصرف أوجد حالة جدل واسعة.. ولَم يكن في توقيت مناسب.. وصدر من لاعب يمتلك رصيدا من الخبرة كانت كافية له للهروب (التكتيكي) لكنه لم يفعل.. وترك الامر لتأويلات تلومه.. وربما سيكون الثمن غاليا اذا ما خسرنا النهائي…
تلك الليلة لم أنم.. جلست في غرفتي بالفندق وأنا أقلب شريط القدوم للكويت.. وفكرة الاستقالة تراودني.. والظروف التي عايشتها تزيد من ضغوطات التفكير.. في النهاية أنا شخص اتأثر بما يدور حولي.. وما رأيته في خليجي ٢٣ يدفعني للتفكير الى أخذ اجازة مفتوحة لمدة عام.. ابتعد عن اجواء من المنافسة (غير) الشريفة.. لأسباب اعرف بعضها.. وأجهل معظمها..
فتحت جهازي الهاتفي المحمول.. واستمعت للسلام السلطاني لمدة ساعة.. بنسخ مختلفة.. عندما أكون في قمة الاحباط.. لا شيء يعيدني الى الحياة … إلا عُمان …
اكملت رحلتي مع الأرق.. وذهبت للمشي في شوارع مدينة (حولّي) .. وأشرقت شمس الكويت ولا أزال أحث الخطى… لأصل للفندق.. وأشير لموظف الاستقبال بأنني لا أرغب في وجبة الافطار.. ولأن (العشرة) التي بيننا تجاوزت أسبوعين فكان من الطبيعي أن يستغرب طلبي.. ويرد باللغة الانجليزية بلكنته (الآسيوية) … ستفوزون فلا داعي للقلق.. وتمتم بكلمات اخرى لم اسمعها.. لأنني ذهبت للطابق ١٣ من الفندق صعودا بالسلالم..!
الرقم ١٣ رقم نحس… ولكنه بالنسبة لي دائما يجلب الحظ السعيد … دخلت الغرفة.. ولَم اجد سوى أغراضي المرتبة بعناية … اثرت الفوضى ورتبت الغرفة من جديد… تكرر الامر مرتين..
لافتح جهاز هاتفي.. أضع صورة في تطبيق (سناب شات) ل»عواطف».. تحتفل اليوم بعيد ميلادها الاول.. احتفل معها وانا بعيد عنها.. لكنني سأعوضها عن ذلك بعد عودتي الى مسقط.. فكم هزني ان أفقد والدها.. ابن أخي الذي وافته المنية قبل أشهر.. والحزن لا يزال يعتريني..!
تحضرت للمباراة.. ولبست الملابس التي أتفاءل بها وخرجت لانتقل انا ورفيق الدرب وبعض الأصدقاء الى فندق الشيراتون.. لتقلنا الحافلة الى إستاد جابر الدولي… مضت الأوقات بسرعة البرق… لأجد نفسي مرة اخرى عند صافرة البداية…!


قلق وخيبة
تفرّست في أوجه الحضور باحثا عن المنسق الإعلامي للمنتخب.. لأكتشف أنه فضّل التعليق على المباراة.. في تصرّف ليس مستغرب وسط كمية «الفوضى» التي يعيشها الاتحاد منذ فترة ليست بقليلة.. وألتفت ليميني لأجد صديق الدراسة «جمال الحسني» يبحث عن مكان للجلوس وسط كومة الاعلاميين الواقفين… غريبة هي الدنيا.. BeIn Sports.. لم تنقل البطولة لأسباب سياسية.. لذلك لم أرى جمال الا تلك المباراة..!
وبدأت المباراة.. وأعين زملائي السعوديين تلاحقني.. يريدون توقعي للمباراة.. لا يزالون غير مصدقين أني توقعت خسارتهم أمام منتخبنا بهدفين نظيفين.. وبجانبهم يجلس زملاء من قطر والكويت.. في تلك اللحظة الخلافات السياسية تصبح شيء من الماضي.. ولا شيء يضاهي كرة القدم ..!
بعض الأصدقاء حاولوا تركيز كاميراتهم على تعابير وجهي.. وأجد رسالة نصية من صديق.. (الابتسامة غير طبيعية.. لا تحاول اخفاء قلقك)..!
ابتسمت وأنا أنظر إليه وهو يحاول لملمة اغراضه بعد لقاء تلفزيوني أجراه من ارضية الملعب..!
لا أدري لماذا لوّحت له بتشكيلة الفريقين.. «زاكيروني» ارتكب خطأً لا يغتفر.. حين عاد لنفس التكتيك المستخدم من قبل (باوزا) و(مهدي علي).. فأصبح فريقه مشوّه .. مشتت الفكر.. سهل الشكيمة..!
ويمر الوقت بطيئاً .. والجميع يتسمر أمام الشاشة.. ينتظر الفوز الذي أصبح غاية وهدف.. وتجهيزات وزارة الشؤون الرياضية أضافت ضغطاً على الفريق.. وفجأة أراد الجميع أن يكون طرفا أصيلا في التتويج.. حتى لو كان الامر على حساب البروتوكول .. المهم أن يظهر في الصورة.. فكيف نفسر كثرة الحريصين للظهور في مشهد التتويج ضمن الفريق الذي صعد للمنصة لحظة التتويج.. كمية الدشداشات والبشوت التي ظهرت تعطيك صورة واضحة.. هناك دائما من يريد ان يكون اللاعبون في اخر الصورة.. لأنهم ليسوا اكثر من مجرد أداة.. وسيلة للغاية..!
في خضم هذا التشتت الذهني.. تصلني رسالة من ابنة اختي.. ( خالي فهد.. توقع النتيجة الله يخليك..)!! .. غريبة هي كرة القدم.. فجأة أصبحت أنا مصدر مهم من مصادر التفاؤل..!
أرسلت لها… «الأمور طيبة.. الفوز مضمون.. لا تخافي».. ولحظتها احتسب علي محمود حكم المباراة ركلة الجزاء.. ويقف الجميع.. جلست في مكاني وأنا ابتسم.. «نصر البوسعيدي» على أعصابه.. وسعيد المالكي كاد أن يقف قلبه.. البقية كانوا على أعصابهم.. أخبرت الذي يجلس بجانبي بأن فايز الرشيدي سيصدها.. فلم يصدقني.. إلا أن تصدي فايز لركلة «عموري» غير كل شيء في المباراة.. حتى تعامل الزملاء الإماراتيين مع البقية.. لغة التحدي أصبحت لغة خوف من الخسارة..!
وفي الأشواط الإضافية لا جديد.. استبسال من فهمي دوربين الذي جعل من علي مبخوت مجرد لاعب عادي في أرضية الملعب..!
ركلات الترجيح كانت متلفة للأعصاب.. حتى وصلنا الى ركلة الترجيح الرابعة.. قلت لزميلي الجالس على يساري.. فايز سيتصدى للتسديدة لأنه الأكثر هدوءاً.. وسنفوز!!
حصل ما توقعت.. وفزنا…!.. وتمضي الدقائق سريعة.. لأجد نفسي في أرضية الملعب… أبحث عن الدكتور جاسم الشكيلي النائب الثاني لرئيس الاتحاد.. الرجل الذي اختفى عن الأنظار لحظة التتويج.. هو أول من يستحق التهنئة.. هو من كان يعالج أخطاء غيره .. هو وحده من تحمّل تخبطات الآخرين .. دافع عنهم في الوقت الذي كانوا يبحثون عن دقائق معدودة من الظهور التلفزيوني في الشاشات الخليجية.. !
وجدت الدكتور جاسم في زاوية في فندق اللاعبين.. تركهم يحتفلون مع جماهيرهم.. وينتظر التأكيدات عن إصابات حادث سقوط الجماهير في ملعب المباراة..!
تركتهم وذهبت للفندق الذي أقيم به.. لأجد الموظفين في انتظاري.. وأسبوعين متواصلين خلقت نوع من الالفة.. واكتشفت ان معظم النزلاء من السلطنة والإمارات.. وأقام الفندق احتفالية صغيرة.. لكنها مؤثرة.. الجمال يكمن في البساطة..!
في الثانية فجرا أويت لفراشي.. لأصحو في الخامسة فجراً.. وأكتب بعضا من مشاهداتي.. وأعود للنوم بعدها..!
في الطريق للمطار.. يعود شريط الذكريات مرة أخرى الى اليوم الاول للبطولة.. وطن النهار كان على الموعد.. والتواجد العُماني الملفت كان السمة الأوضح.. ولَم أُعير موظف الطيران أية أهمية عندما حاول (التفلسف).. لم أشأ أن أنغّص فرحة العمانيين وهم عائدون بالكأس.. ولَم أشأ الاحتفال مع البعثة والعودة بطائرتهم الخاصة.. أريد الانزواء بعيدا عن الاضواء.. وأبحث عن الهدوء ..!
وصلت لمسقط في الثامنة مساء السبت.. وخرجت من المطار في التاسعة والنصف.. ولا تزال مسيرات الفرح تجوب الشوارع..!
دخلت البيت لأجد والدتي تشاهد التلفزيون والمسيرات.. حالها من حال بقية الأمهات في عمان.. احتضنتني بفخر.. وكأنني من لعب في أرضية الملعب.. لتقول لي: « شفت كيف؟! فازوا لأنك معاهم»..! قلب الأمهات يرى الأشياء بمنظور مختلف.. لا يشبهه شيء آخر..!
عدت لغرفتي بعد غياب أسبوعين.. وها أنا ذَا أكتب السطور الاخيرة.. لأكتشف فجر الأحد أني لم أرسل المادة..!

Share.

اترك رد