خشونة: فليعذرني الجميع .. لست سعيدا بكأس الخليج!

0

ما الذي يدعو للسعادة؟. فلنكن واقعيين قليلا.. ذهبنا للبطولة ولم يكن احد يتوقع ان نفوز بها، لعبنا المباراة الأولى أمام فريق دفاعي وبدنيا مسيطرين لأن الفريق الخصم كان يدافع، حصل على ضربة جزاء مزيفه وفاز باللقاء، واجهنا فريقا لم يلعب لعامين وثمانية اشهر بسبب الإيقاف وفزنا عليه بسبب ظروفه، في المباراة الاخيرة كان التعادل يكفي لإخراجنا من البطولة وتأهل منتخب رديف، حسنا فزنا على الرديف السعودي وتأهلنا، فزنا على البحرين في نصف النهائي ثم واجهنا الامارات ولم نستطع ان نسجل لـ 120 دقيقة. هل هذا ما يدعوني للسعادة؟. قد يتهمني البعض بأي تهمة يحب، لست مكترثا بما سيقال، ربما هو الهذيان في آخر ساعات الليل، العاشقون لا ينامون.. يتنفسون الدخان إلى مطلع الفجر والضائعين. هذا الهذيان له أسبابه لاشك في ذلك. ضربة جزاء تمنح للإمارات الشقيقة في الدقيقة 89 لمباراة نهائية، سيسجلون وسنخسر ونعود خائبين. هل انتهى كل شيء؟.
تذكر الحارات القديمة وبيوت الطين التي ولدنا فيها في السبعينيات، تذكر سيارات (البيك اب) التي كانت تقلنا ونحن صغار وكان الهواء الشديد ينفخ ملابسنا ونحن في الكريل (الجزء الخلفي من سيارات نصف النقل)، تذكر الملعب الصغير بجانب المقبرة ونحن نلعب الكرة حفاة، لا جمهور حاضر سوى اسراب الغراب الذي كان يحط على اسلاك الكهرباء التي تحملها الاعمدة الطويلة جنب الملعب الترابي. تذكر تلك الكرة التي ثقبت لعدة مرات واستطعنا إعادة الحياة لها وكأنها قلب اصطناعي.
قبل ان يسدد شاب نحيل بشعر اشعث اسمه عموري الكرة، وهذا النحيل يعد واحدا من امهر لاعبي الخليج العربي. توقف كل شيء في الدقيقة 89، تذكرت مسلسلات الكرتون والكابتن ماجد، المباريات التي تستمر لثلاثة أيام!.. كم كانت طويلة تلك اللحظات التي اعادتني لثلاثين عاما للوراء، بعد اذان العصر سيبدأ عرض الكابتن ماجد وانا علي أن اصلي بسرعة مذهلة أقرأ اقصر سور القران الكريم. لكي أتمكن من مشاهدة التسديدة الأخيرة، ثم اركض كالمجانين نحو الملعب الترابي بدون حذاء حيث تحطم الحجارة الصغيرة أظافر اقدامي. لا يهم. هناك الكثير من الصغار لا يجيدون اللعب ولكنهم يأتون ليفسدوا علينا المباريات. كان علينا تحمل غبائهم. مجموعة من الكلاب تركض بسرعة مذهلة وبرشاقة لا تضاهى جانب المقبرة، مشهد آخر لا أنساه.. حينها تقدم لاعب صغير وهو صديق طفولة وقال لي: ليتني كنت سريعا مثل الكلاب، كنت سأكبر وأقود المنتخب للفوز بكأس الخليج، لن يلحق بي احد من المدافعين ، لم نكن لنهزم بخمس اهداف حينها. أتذكر كيف كنا نجتمع لمشاهدة كأس الخليج امام تلفاز صغير في الثمانينيات لا يبث إلا هزيمتنا في كل المباريات. اللعنة على التلفاز واللعنة على الواجبات المدرسية التي لا تنتهي واللعنة على الاشغال الشاقة التي كنا نقوم بها صغارا في المزرعة، سأقطع قصب السكر وسأحمل بعض التمر واقنع صديقي عيسى بتناولها كي نفوز في المباراة، هذه المنشطات الطبيعية من شأنها ان تساعد اجسادنا على الصمود بعد يوم دراسي طويل ثم الذهاب للمزرعة ظهرا والقيام بتلك الاشغال الشاقة (جز البرسيم والحشيش والتقاط التمر وتنقيته) حياة قاسية والشمس تراقبنا كحارس وسجّان، نتصبب عرقا ونشرب كالضفادع من الساقية. لابد من انجاز العمل لنلعب كرة القدم عصرا.
تقدم عموري لتسديد الركلة الأخيرة التي ستقتل احلامنا مرة أخرى، برازيل الخليج يرتدي اللون الأحمر، لكنه سيسقط ربما بعد لحظات. الحكم أشار للاعب الشقيق أن يتقدم ويسدد في مرمانا، عليك ان تغمض عيناك وتقول في سرك يارب!. ويطوف بك الشريط السينمائي بسرعة مذهلة للبحر والقلاع والنخيل والملاعب الترابية، لخلافاتنا ولانكساراتنا في تصفيات المونديال ولانتصارنا في 2009 لأول مرة بكأس الخليج، للنشيد الوطني ولوجه الجماهير التي قطعت الالاف الكيلومترات وهي تقود السيارة من عمان للكويت. سدد عموري الكرة رصاصة نحو القلب، لكن قفازا تصدى لها، كم جميلة هي السينما في النهايات، بعد اليأس تنقلب الاحداث في لحظة، عليك ان تفاجئ المشاهد في نصف لحظة، تصدى حارسنا لركلة الجزاء، لم يمت البطل الأحمر. ايقاعات تنبض بالحياة في صور العفية، سماء مسقط امطرت نجما، صلاله بخّرت الكون لبانا، وانا اعادتني ولايتي المصنعة لكل الذكريات الجميلة التي لا تشترى. أنا لست سعيدا بكأس الخليج، لست سعيدا ولأننا في الكويت تذكرت اغنية لعبد الله الرويشد وقام قلبي بتحريفها «انا مو فرحان انا .. انا دنيا من الفرح». لست سعيدا لأن السعادة قليلة أمام كل ما رأيته من فرح مرسوم على وجه الشعب الأجمل والاطيب. فلينظر من شاء حول مستوى الفني للبطولة وليقلل من أراد التقليل من شأن ما حدث، ما يهمني أننا الابطال. شكرا للاعبينا الرائعين الصامدين بنصف احتراف وشكرا لبيم فيربك وجهازه الفني، شكرا للجهاز الإداري وكل الأصدقاء الذين احبهم، شكرا للاتحاد العماني ورئيسه، شكرا للإعلاميين والشكر الأكبر لجمهورنا الذي لا ينكسر.

محمد البلوشي

Share.

اترك رد