صناعة البهجة المتأخرة تغلّف مونديال الأهداف القاتلة

0

الرغبة في مواجهة خيبة الأمل

35 ثانية قبل نهاية مباراة السويد وألمانيا.. بطل العالم وحامل اللقب يواجه  خطر  الإقصاء المبكر.. ولأن المستحيل ليس ألمانياً.. توني كروس يحرز هدف الفوز ويعيد المانشافت إلى البطولة.

في هذه البطولة طغت ظاهرة الأهداف المتأخرة على المشهد.. فمن كل سبعة أهداف تم إحرازها.. هنالك هدف في آخر 5 دقائق من وقت المباراة.

بحثنا في العوامل التي تفسر وتشرح بروز هذه الظاهرة.. والتي أثبتت أنها ليست عربية خالصة كما كنا نتوقع.. ولا علاقة لها بالمنتخب الوطني العماني..!

12 هدفا

ليس (فتية جواكيم لوف) وحدهم من استطاع التسجيل في الثواني من المباراة.. المنتخبات الأخرى سجلت أيضا في الدقائق أو الثواني الأخيرة.. السعودية في الافتتاح تلقت هدفين من الأهداف الخمسة في الوقت بدل الضائع.. مصر خسرت أمام الأوروجواي في الدقيقة 89.. المغرب خسرت أمام إيران في الدقيقة 95.. كريستيانو رونالدو أحرز التعادل  لمنتخب بلاده أمام إسبانيا في الدقيقة 88.. إيفان راكيتيش سجل الهدف الثالث لكرواتيا في الدقيقة 91 في مرمى الارجنتين.. البرازيل هزمت كوستاريكا بهدفي كوتينهو ونيمار في الدقائق 91 و97 على التوالي.. شاكيري أحرز هدف الفوز السويسري على صربيا في الدقيقة 90.. وهبي الخرزي سجل الهدف الثاني لمنتخب تونس في الدقيقة 93 في مباراة منتخب بلاده مع بلجيكا.. ولاعب توتنهام والمنتخب الكوري الجنوبي سون هيونج مين أحرز هدف منتخبه أمام المكسيك في الدقيقة 93..

وكل هذا في الجولتين الأولى والثانية من المونديال.. وبالأرقام فإن عدد المباريات الملعوبة هو 32 مباراة من 64 أي بعد مضي نصف المباريات تم تسجيل 85 هدفا.. منها 12 هدفا في آخر 5 دقائق من وقت المباراة. وهذا يعني أن احتمالية تسجيل أهداف مشابهة في المونديال في المباريات المتبقية تزيد .. فمقابل كل 7 أهداف مسجلة.. هناك هدف واحد يتم تسجيله في الدقائق الأخيرة.

تراجع التركيز

هناك أسباب عديدة ومتداخلة لظاهرة الأهداف المتأخرة في هذا المونديال الذي شهدت جميع مبارياته حتى كتابة السطور تسجيل الأهداف.. منها غياب تركيز المدافعين.. وحضور المهاجمين الذهني.

فتراجع التركيز لدى المدافعين في الكرات المرفوعة ميّز الدقائق الأخيرة لمباريات المنتخبات العربية، ما أدى لأهداف قاتلة، أدت لخسارات غاية في الإيلام، لكن قبل تلك الأهداف،  جاء التسرع بارتكاب أخطاء مجانية ليكون هو السبب الأول في إفساح المجال أمام الهدف.

وكانت ستمر تلك الأخطاء بلا ملاحظات كبيرة، لو أنها لم تسفر عن أهداف. لكن العودة لمنابع الأخطاء قد تقوم الأداء.

ففي مباراة مصر والأوروجواي ارتكب محمد عبد الشافي خطأً جاءت منه الكرة الثابتة التي أحرز منها خيمينيز الهدف القاتل للمنتخب اللاتيني د 89.

وفي مباراة المغرب ارتكب أيضاً سفيان أمرابط خطأ مشابهاً جاءت منه المباشرة الإيرانية التي تابعها عزيز بوهدوز هدفاً عكسياً في مرمى منتخب بلاده د 95.

أما في مباراة تونس وإنكلترا، فكان بإمكان بن عمر أن يعمل بمبدأ السلامة ويترك الكرة لتخرج رمية تماس في مصلحة منتخب الأسود الثلاثة، قبل أن تنجر الأمور إلى ركنية جاء منها هدف كاين الرأسي القاتل 90+1، خصوصاً أن أحد أخطر أسلحة الإنكليز الكرات الثابتة سواء من الركلات الحرة أو الركنيات.

قوة الشخصية

في المقابل.. فإن قوة الشخصية وعدم اليأس قد يكون سببا في فوز المنتخب الألماني المتأخر.. وهو سبب أيضا في فوز الإنجليز على التوانسة.. فجاريث ساوثجيت مدرب المنتخب الإنجليزي قال بعد المباراة.. « لقد صنعنا الكثير من الفرص المحققة، خصوصًا في الشوط الأول، وكنا في سيطرة تامة على مجريات الشوط الثاني». وأضاف «الفرق الجيدة تسجل الأهداف المتأخرة. لقد كنت فخورًا أكثر شيء بالطريقة التي واصلنا بها اللعب في سباق مع الزمن. بقينا صبورين ولم نكتفِ برمي الكرة داخل منطقة الجزاء».

مدرب منتخب الأسود الثلاثة وضع يده على السر الأهم.. (الصبر)  وعدم الاستعجال.. وربما هذا ما فعله المنتخب البرازيلي أمام منتخب كوستاريكا.. الفريق ظل يهاجم حتى صافرة النهاية.. فتمت مكافأته بهدفي نيمار وكوتينهو.

تصحيح الخطأ

من الأسباب أيضا  وجود رغبة حقيقية لتصحيح الخطأ.. ولاعب وسط المنتخب الألماني توني كروس هو المثال الأوضح.. فلقد كانت عناوين الإقصاء المبكر لكروس والفريق الألماني قد كُتبت حتى قبل صافرة النهاية. مرة أخرى استقبل بطل العالم الحالي هدفاً وتأخّر في النتيجة، لكن هذه المرة، كانت تمريرة كروس الخاطئة هي السبب رُغم أنه يُعتبر أكثر اللاعبين الألمان دقة وبراعة في التمرير.

كروس هو من أبرز الممررين وأمهرهم في عالم كرة القدم. لكن أن يصدر منه هذا الخطأ، فهذا مؤشر قوي على أن الفريق الألماني كان قريباً من الإنهيار. وقد صرّح صاحب القميص رقم 8 أمام الصحفيين عقب نهاية المباراة “عندما تلعب 400 تمريرة، وتُخطئ في اثنتين. يجب أن تكون لديك عزيمة فولاذية لتقدّم أداء كهذا في الشوط الثاني. لكن لا أحد يرى ذلك. لقد كنا جيّدين بالفعل، غير أننا لم نتمكن من استغلال هذه الفترات. أعتقد أن الهدف الذي سجّلناه في اللحظات الأخيرة كان مستحقاً.»

والإحصائيات تؤكد كلامه، حيث وصلت نسبة تمريراته الناجحة 95 بالمائة عند نهاية الشوط الأول. لكن جاءت كرة واحدة لتنسف كل الجهود التي بذلها.

روح الفريق

أيضا شيريدان شاكيري لاعب منتخب سويسرا يمثل سببا آخر.. وهو الاعتمادية ومدى ثقة أعضاء الفريق ببعضهم البعض.. فلقد كانت المباراة قد دخلت الدقيقة التسعين في أمسية يوم الجمعة الماضي في ملعب كالينينجراد عندما كان الدفاع السويسري يتصدّى لهجوم لصربي في منطقة عملياته. تسلّم بعد ذلك اللاعب البديل ماريو جافرانوفيتش تمريرة قصيرة، رفع رأسه ثم أرسل كرة طويلة نحو زميله شيردان شاكيري الذي انطلق بالسرعة القصوى من خط الوسط وكأنه دخل لتوه إلى أرض الملعب، تاركاً خلفه دوسكو توسيتش، قبل أن يسجل بتسديدة أرضية هدف الفوز لصالح المنتخب السويسري. وبتحقيقه فوزه الأول في بطولة روسيا 2018 فُتحت في وجه الفريق السويسري أبواب دور الستة على مصراعيها.

عبّر شاكيري عن فرحته عقب المباراة قائلاً “قدّمتُ مباراة جيدة. لقد وجدوا صعوبة في التعامل مع أسلوب لعبي. لستُ لاعبا بطيئاً. لكن تمريرة ماريو جافرانوفيتش كانت جميلة أيضاً. لا ينجح عادة في القيام بتمريرات كهذه.»

وأكد قائلاً “إن الكيفية التي تمكنّا بها من العودة في المباراة بعدما كنا متخلفين في النتيجة، يعكس بوضوح قوة الفريق. قبل بضع سنوات، لم نكن لنتمكّن من قلب مباراة كهذه في النهائيات العالمية.»

فرص أكثر.. أهداف مؤكدة

في مباراة البرازيل وكوستاريكا سيطر البرازيليون على المباراة من البداية إلى النهاية، حيث استحوذوا على الكرة بنسبة الثُلثين علماً أن معظم فترات اللعب تركّزت في نصف ملعب كوستاريكا. وكانت الفرص قليلة في بداية اللقاء، حيث كانت أفضلها من نصيب لوس تيكوس عن طريق بورخيس عبر هجمة مضادة خاطفة.

لكن البرازيليين كثّفوا ضغطهم بعد الإستراحة، رغم أنهم أهدروا الفرص الواضحة التي أتيحت لهم. وبينما ارتّدت إحدى محاولات جابرييل جيسوس من العارضة، تعيّن على راقصي السامبا الانتظار حتى بداية الوقت المحتسب بدل الضائع ليفتتح كوتينيو التسجيل بانقضاضه على كرة طائشة أمام المرمى، قبل أن يُضاعف نيمار النتيجة في الثواني الأخيرة.

إنه ببساطة مونديال الدقائق القاتلة ، لكنه أيضا المونديال الأكثر إثارة وحماسة ومتعة فنية وجماهيرية .

Share.

اترك رد