المونديال يتساءل: الأجـــمل.. أم الأقــوى..!

0

سقطت النظريات.. فبقيت الجماعية

الأرقام والإحصائيات تبعد الفرق الكلاسيكية.. والبطولة مالت إلى العامل البدني

التنوع والاستمرارية والجماعية ووسط ملعب فعال.. كلمات السر للتفوق المونديالي

في هذا المونديال العديد من النظريات سقطت.. تماما كما سقطت المنتخبات (الكبيرة) صاحبت التقاليد المعروفة. المدارس الكلاسيكية في كرة القدم وجدت نفسها أمام بطولة أدارت الظهر للفرق التقليدية.. منها من لم يصعد أساسا.. كإيطاليا وهولندا.. ومنها من سقط تباعاً كالأرجنتين وألمانيا والبرازيل وإسبانيا والأوروجواي والبرتغال.. ومن أصل ثمانية منتخبات أحرزت الكأس الذهبية.. يوجد فقط منتخبان في المربع الذهبي.. فرنسا وإنجلترا مقابل كرواتيا وبلجيكا..!

البطولة مالت إلى اللعب القوي .. وألقت وراء ظهرها جمالية الأداء.. فلا يهم عدد التمريرات الصحيحة.. ولا الاستحواذ والسيطرة.. بقدر أهمية افتكاك الكرة .. والانتقال من الدفاع إلى الهجوم في بضع تمريرات.. لا تزيد عن خمس في أغلب الأحيان… وإحراز الأهداف من أقل الفرص الممكنة.

لكن كيف استطاع رباعي الذهب أن يسيطر على البطولة..؟!

جماعية بلجيكية

سؤال مهم.. يمكن أن نجد بعض إجاباته في إحصائيات البطولة حتى نهاية مباريات ربع النهائي.. فمنتخب بلجيكا هو الأقوى هجوميا.. 14 هدفا منها 12 من هجمات ملعوبة.. وهدف بالخطأ وهدف من ركلة ثابتة..!

دخل البلجيكيون غمار البطولة بواحد من أفضل الفرق على الورق، لكن نجاحهم الأكبر في روسيا يتمثّل في قوة العمل الجماعي. قد يُمثّل هذا أهم إنجاز في تاريخهم، ببساطة لأنه لم يسبق لهم الوصول إلى مثل هذه المرحلة في الماضي. كما لم يكن هذا المنتخب البلجيكي معروفاً في السابق بالصمود ورباطة الجأش، وهو ما أظهره الشياطين الحمر بشكل واضح تماماً ضد كل من اليابان والبرازيل، علماً أن نجوم الفريق، بمن فيهم الثلاثي السحري إيدين هازار وكيفين دي بروين وروميلو لوكاكو، يظهرون في أفضل حالاتهم عند الحاجة. ولكن تجدر الإشارة أيضًا إلى أن أهداف الشياطين الحمر حملت توقيع تسعة لاعبين مختلفين في روسيا.

ومن جهته، يبدو أن روبرتو مارتينيز هو الرجل المناسب في الوقت المناسب، حيث يبدو أنه وجد الطريقة الأنسب لإخراج الأفضل من نجومه وبلورة الفريق كوحدة واحدة. ففي هذا الفريق البلجيكي، الجميع جاهزون للعب وعلى استعداد لتقديم التضحيات المطلوبة على أرض الملعب، أو في بعض الحالات، لقبول دور البديل ودعم زملائهم في الفريق.

تنوع فرنسي

المنتخب الفرنسي يعتمد على تنوع مهام أفراد الفريق.. لدرجة أنك من الممكن أن تشاهد مبابي يلعب في قلب الدفاع..! أو تلاحظ أن أومتيتي يقوم بمهام هجومية..!

قبل وقت ليس ببعيد، ربما كان ديدييه ديشامب يتعرّض لانتقادات لاذعة بسبب هذا الجانب من طريقة لعب الفريق الفرنسي، حيث كان بعض الصحفيين يعتبرون أن الديوك لديهم ألف وجه ويفتقدون لهوية حقيقية. لكن في الواقع، أصبحت هذه الميزة نقطة إيجابية. فبينما عرف الديوك كيفية مجاراة إيقاع مبارياتهم في مرحلة المجموعات، أظهرت فرنسا مستوى مذهلاً ضد الأرجنتين، ثم قدمت أداءً قوياً وفعالاً ضد أوروجواي. فهل يتعلق الأمر بثلاثة فرق فرنسية مختلفة؟ لا – إنه نفس الفريق، ولكن بتكتيكات مختلفة.

تعرف فرنسا كيفية تكييف أسلوبها حسب خصومها، وهذه خاصية نادرة وقيمة. قد يكون النهج التكتيكي على شاكلة 4-3-3 في مباراة و4-2-3-1 في المباراة التالية، في حين يُمكن أن يقرّر ديشامب استخدام قامة أوليفييه جيرو أو سرعة كيليان مبابي لزعزعة الدفاعات. كما رأينا خلال روسيا 2018، لم تعد هناك فرق ضعيفة، فحتى عمالقة مثل ألمانيا وأسبانيا واجهوا صعوبة بالغة في اللعب وفق “أسلوبهم”. ذلك أن الإستحواذ على الكرة لا يضمن لك الفوز في حين أن التجربة لا تضمن النجاح. استخدام مُختلف الخيارات المتاحة هو مُفتاح كل شيء.

استمرارية إنجليزية

ما ينطبق على الفرنسيين ينطبق أيضا على جيرانهم الانجليز.. هناك تنوع في أسلوب لعب المنتخب الإنجليزي أكثر من أي وقت مضى.. وهناك قاسم مشترك بين الفريقين أيضا.. الفوز بكأسي العالم للناشئين والشباب..!

ولعل اختيار قوة واحدة لتعريف منتخب إنجلترا أمر صعب أكثر فأكثر، حيث يستمر فريق جاريث ساوثجيت في إيجاد طرق جديدة ومختلفة للفوز على خصومه. فقد أصبحنا معتادين جميعًا على الكيفية التي يستخدم بها هذا الفريق الشاب الثقة ونظام اللعب الحديث والعمل الجماعي لمصلحته، علماً أنه فريق يتحسّن باستمرار ومستعد للتعامل مع أية حالة من حالات المباريات ومقارعة أي منافس، كما أن طريقته في إدارة اللعب فعالة بشكل مذهل.

حتى أن إنجلترا فازت في روسيا 2018 لأول مرة بركلات الترجيح في تاريخ كأس العالم ، وذلك دون الخوض في تقييم فردي لنجوم الفريق، بدءاً من الحارس المميز جوردان بيكفورد ووصولاً إلى هداف البطولة هاري كاين – وكلاهما لا يتجاوز من العمر 24 سنة.

قد يكون هذا هو أقوى منتخب إنجليزي رأيناه منذ عام 1990، وهي المرة الأخيرة التي وصل فيها الأسود الثلاثة إلى نصف النهائي. ومع ذلك، فإن هذا الفريق، بمُقاربته الحديثة المُحكمة والمركزة للعبة، يبدو في طريقه إلى صنع تاريخه الخاص.

خطورة الوسط الكرواتي

المنتخب الكرواتي سيكون أكثر المنتخبات لعبا في هذه البطولة إذا ما وصل إلى النهائي.. تخيّل أن تلعب أكثر من 240 دقيقة في ظرف 5 أيام..! هذا ما فعله المنتخب الكرواتي والمنتخب الروسي المستضيف.. المنتخبان يعتمدان على اللياقة البدنية العالية وتوزيعها بشكل سليم طوال أوقات المباريات.. وهناك ميزة أخرى في المنتخب الكرواتي.. خط وسط فعال ومؤثر..!

بالنظر إلى الطريقة التي تأهلّت بها عن المجموعة الأكثر صعوبة في روسيا 2018، ناهيك عن اجتيازها اختبارين بغاية الصعوبة في مراحل خروج المغلوب، تُعتبر كرواتيا من الفرق الأكثر إثارة للإعجاب في البطولة. ويُمثل خط الوسط أبرز أساس يقوم عليه هذا المنتخب، وهو الذي يُعتبر واحداً من أفضل خطوط الوسط في روسيا 2018، حيث يبدو اللاعبون المتألقون في هذا الموقع دائمًا في أوج عطائهم وفي قمة تنظيمهم وكامل تركيزهم.

لوكا مودريتش وإيفان راكيتيتش هما عماد المنتخب الكرواتي. ليس من المعهود رؤية لاعبين من ريال مدريد وبرشلونة يجتمعون جنباً إلى جنب لتقديم مثل هذا الأداء المدمر، ولكن هذا بالضبط ما يفعله مودريتش مع راكيتيتش في قلب محور ارتكاز كتيبة فاتريني. ولكنهما ليسا الوحيدين؛ إذ ينضم إليهما نجم إنترميلان مارسيلو بروزوفيتش ولاعب الريال الآخر ماتيو كوفاسيتش ومهاجم فيورنتينا ميلان باديلي، الذين يُعدون جميعهم من الجيل الرائع للاعبي الوسط الكرواتيين.

الأجمل.. والأقوى

قد يكون المنتخب البرازيلي هو الأجمل في لعب كرة القدم.. برفقة المنتخب الأرجنتيني.. ومن الممكن أن يكون المنتخبين الألماني والإسباني من بين المنتخبات الأكثر استحواذا.. ولكن الجمالية في الأداء والاستحواذ شبه الكامل لا يكفي لتحقيق اللقب..

ما يجمع المنتخبات الأربعة المتأهلة لنصف النهائي هو الجماعية.. هناك تناغم بين أفراد هذه المنتخبات.. ومن الممكن أن نضيف المنتخب الروسي إليهم.. لوجود قاسم مشترك.. وهو أن منتخبات فرنسا وإنجلترا وبلجيكا وكرواتيا.. بالإضافة إلى روسيا  تلعب بجماعية وتصل للمرمى بأقل عدد من التمريرات والمحاولات.

الأرقام تقول أن المنتخب البلجيكي سجل 14 هدفا.. من 85 محاولة.. المنتخب الإنجليزي سجل 11 هدفا من 70 محاولة .. والمنتخب الفرنسي سجل 9 أهداف من 56 محاولة.. والمنتخب الكرواتي سجل 10 أهداف من 78 محاولة..!

الأرقام لا تكذب وتقول أن المنتخب البرازيلي سجل 8 أهداف من 103 محاولات على المرمى.. منها 27 لنيمار فقط كأكثر لاعب سدد على المرمى… بينما المنتخب الروسي سجل 11 هدف من 46 محاولة.. وهنا يظهر الفرق..!

Share.

اترك رد