لابومبونيرا.. الجنون والموت والحب والحياة

0

عبدالله الوهيبي

” يابني قبل أن أموت أريد ان نذهب لحضور مباراة في ملعب اللابومبونيرا في بوينوس ايريس بالأرجنتين ”
” hijo antes de morir quiero que estamos juntos a un partido de fútbol en el estadio de Boca Júniors en Buenos Aires “

كانت هذه وصية فيليب ويل لابنه الذي طالما حلم بها واختارها ، وبرغم عدم احاطتي علما بما جرى لويل وهل حقق امنيته ، الا أن الأمر دفع بي للسعي لتحقيق تلك الأمنية العالقة في القلب منذ البدايات لرحلة الحب والعشق والهيام لهذا الكيان المشرق كالشمس حين تبزغ من اقصى الأرض لتمتد اشعتها الى آفاق وقلوب المجانين حول العالم الذين ذهبت الأمنيات بالكثير منهم لأبعد مما تمنى ويل وابنه ، حينما طالبوا وأوصوا أن تدفن أجسادهم بعد الموت في أرضية عشقهم وموطن أرواحهم” لامبومبونيرا” موطن المجد والتاريخ والانتماء !

  بدأ التحضير لهذه الرحلة جديا قبل أكثر من شهر من خلال تتبع إجراءات الحصول على التأشيرة ومراحلها، توازيا مع محاولة الحصول على تذاكر الدخول لمعقل البوكا الشهير ، الأمر الذي لم يكن بتلك السهولة ولاعجب حين يتعلق الأمر بالسوبر كلاسيكو الحدث الرياضي (الكروي) الوحيد سابقا الذي صنف ضمن قائمة أهم الأحداث والمواقع الخمسين  التي يجب على المرء تجربة أحدها في حياته!

تفاصيل مغامرة الحصول على تذاكر الدخول التي بدأت من حي البوكا قبل يوم المباراة امتدادا لعدد الحواجز والإجراءات الأمنية المشددة التي اجتزناها في الطرقات المحيطة بالملعب ومحاولات الاحتيال ومفاوضات السوق السوداء والاقتراب من إحدى عصابات البارافرابا   ستظل في مكان آمن من الذاكرة لتحكى لمن سيحمل جينات جنون الحب لهذا الكيان الرياضي ؛ كما حملها بحب دوما كلاوديو لودانيو أمين راية البوكا في مدرج ” ألا دوسي / الرقم ١٢” .

بعد يومان مضنيان من البحث ولقاءات المتعهدين بتوفير التذاكر ، تعرضنا فيها للكثير من محاولات الغش وبيع التذاكر المزورة والوعود بتوفير تذاكر حقيقية من خلال مقهى البوكا القريب جدا من معقل النادي واجرينا في هذين اليومين الكثير من الاتصالات للعديد من المتعهدين الذين لم يستوعب بعضهم هذه الرغبة في حين أكبر البعض الاخر هذا العناء في سبيل ملاحقة هذا الشغف ، جوستافو(جوستي) صاحب المقهى كان اكثر من قدم لنا الأمل على ارضية متصدعة من التوجس على ضياع فرصة القبض على حلمي الذي دام عشرات السنين! لذلك لم أكتف بوعود جوستافو الذي خذلنا في نهاية الأمر ، وبعد البحث والتقصي في جنبات الحي كانت جميع الاراء تشير الى أن خلاصنا وتنعمنا بلحظات هذا الحدث العظيم سيكون بيد فيكتور! هذا الشبح الذي لم نستطع الوصول اليه، ولكن شاءت الاقدار ان نجد في معمعة البحث عنه اوسكي ، الذي عرفنا فيما بعد بأنه عضو بارز في مجموعة البارا برافا للنادي ، وبعد التعرف عليه واستئناسه بالحديث عن جنونا وشغفنا بالبوكا عرض علينا مساعدته للدخول مقابل مبلغ معقول وافقنا عليه فورا حيث كان العرض عادلا من حيث تسليم المبلغ في لحظات الدخول في المدرجات ، وبدأت قصة مغامرة من نوع آخر ،، حيث تطلب هذا الأمر عدة إجراءات احترازية كان من بينها تقسيمنا في مجموعات صغيرة والانتظار على سطح احدي البنايات التي كانت على مرمى حجر من اللابومبونيرا، المكان الذي احصيتُ فيه ما يقارب العشرون مشجعا مجنونا أتوا من اماكن مختلفة من الأرجنتين وخارجها ، كان اوسكي قد عقد معهم نفس الاتفاق العادل،، كانت في تلك الأثناء حشود من الشرطة ورجال الأمن من الوحدات الخاصة قد أقامت السياجات الأمنية وطوقت الحي وحصرت بوابات الدخول عبر البوابات الالكترونية ليسمح باجتياز هذه البوابات لمن يحمل بطاقات العضوية فقط أو التذاكر المعتمدة لعبور بوابات الأمن بعد التفتيش الدقيق ونظرا لوقوع البناية قرب الملعب بما لا يزيد عن ثلاثة امتار فقد تجنبنا كل هذه الاجراءات فما كان علينا سوى قتل نوبات القلق والتطلع الذي صاحب ساعتي الانتظار بشيء من الثرثرة مع الآخرين والتعرف على قصصهم وشغفهم الذي قادهم لنفس السطح.

وحين حانت لحظات الحسم والدخول الى الملعب أتى مساعدي اوسكي لتصوير أوجهنا حتى يتم التعرف علينا تباعا عند بوابة الدخول للملعب ، ومن ثم تم تسريبنا بانتظام على دفعات مع جموع الجماهير التي ملأت الساحات والطرقات الضيقة قرب الملعب حين ازدادت خفقات قلوبنا من مشهد لم نعتده اطلاقا واجتزنا الممشى المؤدي للبوابة وفي غمرة الازدحام فقدنا المساعد الموكل بمجموعتنا وتلاشى حلم الدخول لوهلة! فعدنا أدراجنا منكسري القلوب لدرجة تسلل اليأس لدى صاحبي للاستسلام على أمل العودة في السنة اللاحقة بصورة مضمونة. حينها تمسكت ببصيص الأمل وإيماني بأن هذه المباراة في هذا اليوم هي موعدنا لتحقيق الحلم المنتظر، فاضطررنا للعودة لنقطة البداية مع تشديد رجال الأمن لكي نبقى خارج السياجات طالما اننا لا نملك بطاقات العضوية للنادي ، مما حدا بنا للعودة الى محل الملابس الرياضية القريب جدا من بوابة الدخول في الجهة الخلفية للملعب. وهناك بعد دقائق من الدردشة ظهر لنا فيكتور ليمد لنا يد العون مقابل نفس المبلغ المادي الذي وافقنا عليه مع هيكتور وبدأت مغامرة اجتياز السياجات الأمنية والعبور من خلال رجال الشرطة الذين كان يؤمي لهم بأننا تحت ضيافته ويبرز لهم بطاقته المدنية التي تثبت انه من حي البوكا فاجتزنا أشد الحواجز الأمنية بسلاسة ومشاعر مختلطة بين خفقان القلب ونشوة النصر مع ضحكات مكتومة ودموع فرح اختلطت في مسيرنا نحو البوابة التي كان فيها بانتظارنا قريب له ما كاد ليأمرنا بالدخول حتى فقدنا عقولنا للحظات في تصرف كاد أن يهدم كل ساعات الانتظار والمغامرة حين قفزنا من فوق بوابة الدخول في مشهد اثار حفيظة المنظمين قبل تداركنا بالاعتذار الشديد وإبداء المسكنة وتعليل هذا التصرف بفقد عقولنا غير مصدقين اننا نعيش لحظة الحلم ذاك!
حانت لحظة الحسم عند اجتياز أسوار اللابومبونيرا للداخل والتحليق صعودا للأعلى لأجمل حلم من الممكن أن يعيشه عاشق لكرة القدم ليقف مع جموع الواقفين الذين تتزاحم طرق تعبيرهم عن حبهم بين الاهازيج المحفزة وتلك التي تتهكم بالخصم وتثبط هممه ، هذه الجماهير التي أحدثت ثورة في طرق التشجيع وملأت الاصقاع فرحا ونثرت الجمال اينما ارتحلت ..

في مدرجات البابولار تختلف حياة العاشق ” البوستيرو ” عن اي مشجع لكرة القدم في بقية العالم ! فالوقوف طوال ال٩٠ دقيقة ليس هو الأمر الوحيد الذي يتميز به البوكاوي ولكن هناك الكثير من ما يتميز به الجمهور المجنون بدءً من طريقة الاحتفال بالأهداف الأميز والأكثر جنونا بالعالم والانحدار من المدرجات الاعلى للاسفل ، مرورا بالفهم الكبير لتفاصيل دقيقة لكواليس الفريق ، وهناك ذلك الحماس المشتعل والاستمرار في الغناء واختيار كلماتها حسب مجريات المباراة فحين يهاجم الفريق تغنى الكلمات المحفزة ، وحينما يخسر تحضر اغاني الدعم والتحفيز، وهناك الحب بين المشجعين لمجرد رؤيتك وانت ترتدي ألوان الفريق وشعاره فتصبح منهم على الفور..

خسر البوكا في نهاية المباراة، بينما كسبت الكثير من الذكريات التي ستضاف حتما لمساحة الحب لهذا البلد الذي لاتنتهي حكايات أبناؤه وأحاديثهم عن كرة القدم فهي ترافقهم عند الموت والجنون والحياة..

Share.

اترك رد