ايمليانو سـالا.. لغز الاختفاء!

0

عبدالله الوهيبي

في أقصى جنوب الأرض  بدأت طفولته مثل الكثير من أقرانه بأوضاع أسرية قد تتشابه في كثير من قصص نجوم كرة القدم ، هذه الكرة التي تسمح لهؤلاء الأطفال بأن يترعرعوا وفي قلوبهم ذلك الحلم الذي يكبر معهم ليغيروا وضع أسرهم وعوزهم المادي لمتطلبات الحياة، بدأت أحلامه ترى النور عبر إعارة من ناديه الأصلي بوردو الذي منحه بوابة العبور الى اوروبا قادما من سانتا موطنه في الارجنتين تحديدا من مدرسة المواهب التي أنشأها نادي بوردو الفرنسي هناك حاملا معه طموحات عالية له ولعائلته كما هو الحال عادةً للمواهب اللاتينية التي تأتي لأوروبا لتصنع حظها ومستقبلها. 

بعد عدة اعارات قضاها ايمي ما بين ناديه بوردو وأندية فرنسية أخرى استقر به المطاف ليكون لاعبا لنادي نانت الفرنسي الذي ينشط بدوري الدرجة الأولى الفرنسي المعروف بـ»الليج أي»، لتبدأ رحلة الاستقرار والانطلاق لتحقيق الاحلام وتسجيل الأهداف وبروزه كمهاجم صريح جعله في رأس قائمة أنجح الصفقات بالدوري الفرنسي ، لتبدي بعض أندية البريميرليغ اهتمامها به وتتنافس على الحصول على توقيعه حتى يتقدم كارديف سيتي بعرض مغري لم تستطع ادارة نادي نانت مقاومته  فيما يعد أكبر مبلغ لصفقة شراء لاعب في تاريخ النادي الويلزي، وبينما استعد اللاعب لخوض غمار تجربته الجديدة فيما بدا أنها ستكون ممرا لانتقال أعلى لم تسعفه الاقدار بعد توقيعه للنادي الانجليزي وعودته إلى منزله في فرنسا ووداع أصدقاءه، ذلك الوداع الذي لربما سيكون الأخير لتتحول شهرته في الاعلام العالمي بسبب لغز اختفاء طيارته في بحر المانش ، وفي ظل تطورات الأحداث ومرور الأيام والساعات المضنية من قصة اختفاء نادرة أثار غموضها الكثير من الحبر والتحليل لفرق البحث والانقاذ دون العثور على دليل ملموس لما آل اليه مصير الطائرة الخاصة الصغيرة التي أقلّت اللاعب في طريق عودته لمعسكر ناديه الجديد.

وعلى صعيد أسرة كرة القدم العالمية كان التفاعل كبيرا لقصة اختفاء سالا ، حيث سارعت جماهير نانت الفرنسي بالتعبير عن امتنانها للاعب وتمنيها العثور عليه من خلال توافدها على مقر النادي محملة بالزهور وقميص اللاعب لتقيم الصلوات والقداسات حتى تتمكن فرق البحث والانقاذ من ايجاده، ولم تكن جماهير ناديه الجديد كارديف بمنأى عن ذلك ايضا ، وفي خضم الترقب والحزن الشديد الذي صاحب ظهور شقيقته على التلفاز مناشدة الجهات الرسمية بعدم التوقف عن مساعي البحث شاكرة ومقدرة جهود فرق الانقاذ ، انطلقت مبادرة دعم تلك الجهود ماديا حيث تبرع بعض اللاعبين ممن كانوا زملاء لسالا لتغطية تكاليف جهود فرق الانقاذ التي واصلت حملاتها في بحر المانش القنال الانجليزي. حيث بلغت الأموال اللي جمعت حوالي ٢٦٠ ألف جنيه استرليني كان أبرز من تبرع بها النجم الفرنسي نجولو كانتي وإلكاي جندوجان وادريان رابيو ومبابي. لتتمكن عائلة اللاعب من تحمل اعباء تكاليف البحث مدعومة بحملة للاعبين الارجنتينيين لدعم مواصلة البحث عن اللاعب المفقود.

وكما هي العادة في مثل هذه الأحداث التي يكتنفها الغموض برزت عدة فرضيات اثارتها وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام التقليدي كان أبرزها ما قالته خطيبة اللاعب السابقة حينما غردت بأن هناك ما يدعو لاعتبار قصة الاختفاء مقصودة ومتعمدة قبل أن تتراجع عن تلك التغريدة. واتبعتها بعض المعلومات التي نشرتها احدى الصحف الانجليزية عن سيرة الطيار المهنية الذي كان بصحبته والحديث عن عدم أهليته وأنه لا يملك الرخصة اللازمة عدا عن الخبرة القليلة في مثل هذا النوع من الطيران. مما وسع دائرة البحث والتقصي عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الاختفاء وعدم اقتصارها على سوء الأحوال الجوية في ذلك اليوم المشؤوم. اتسعت فرضيات حل هذا اللغز لتكشف بعض المصادر وجود بقعة نفايات نووية في عمق القنال تستخدمها البحرية الانجليزية منذ الحرب العالمية الثانية توجد بها اجسام حطام لسفن حربية وغواصة غرقت فيما مضى، مما يعتقد المختصين ان تكون الطائرة الصغيرة قد سقطت في نفس المكان وغرقت.

عدم توصل فرق البحث لأي دليل على وجود الطائرة أو حطامها ربما، جعل من لغز اختفاءها لغزاً محيراً تقل مع مرور أيامه فرص النجاة للاعب والطيار الذي كان برفقته.

وبين عائلة اللاعب التي تتمسك ببصيص الأمل ومحبي اللاعب من الجماهير المتفائلة وبعض الصحف الفرنسية التي فقدت الأمل من خلال تأبينها للاعب، تبقى فرق الانقاذ في جزر القنال تمسح مساحات شاسعة مستخدمة أفضل التقنيات والمعدات والكوادر البشرية المتخصصة. 

برغم قسوة هذه الحادثة والظلال الحزينة التي ألقتها في نفوس الكثير من أفراد عائلته وأصدقاء طفولته وزملاءه من اللاعبين ومحبيه من جماهير كرة القدم حول العالم، إلا أن ما يخفف وطأتها ربما هو التعاضد والدعم المعنوي وردات الفعل الايجابية التي ركزت على الجانب الانساني لهذه اللعبة التي تثبت أهميتها اجتماعيا يوما بعد يوم وتعزز جوانبها المشرقة حينما يتعلق الأمر بتقوية الروابط الاجتماعية وتحسين سلوكيات الافراد من خلال مبادئها في توطيد العلاقات ونبذ ما تخلفه السياسة من كراهية في أغلب الاوقات. وسيبقى مجتمع كرة القدم حول العالم مترقبا وملازما للصلوات حتى تصل بشارة ايجاد اللاعب أو في أسوأ الأحوال معرفة مصيره الأخير ربما.

Share.

اترك رد