البنجالي حســـــن .. وميسي !

0

عبدالله‭ ‬الوهيبي

“إن‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬غاليانو‭ ‬هي‭ ‬مرآة‭ ‬للعالم‭. ‬وهي‭ ‬تقدم‭ ‬ألف‭ ‬حكاية‭ ‬وحكاية‭ ‬مهمة‭. ‬فيها‭ ‬المجد‭ ‬والاستغلال‭ ‬والحب‭ ‬والبؤس‭.‬”

وحكايتنا‭ ‬لهذا‭ ‬العدد‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬غرابة‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬بلدان‭ ‬ومع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العاشقين‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬فوجه‭ ‬غرابتها‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬حسن‭ ‬الذي‭ ‬كما‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مواطني‭ ‬بلاده‭ ‬بنغلاديش‭ ‬والتي‭ ‬تعرف‭ ‬بــ‭ ‬“‭ ‬الجوهرة‭ ‬الخضراء‭ ‬“‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬آسيا،‭ ‬دفعته‭ ‬الكثافة‭ ‬السكانية‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وسوء‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬والطاقات‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬لترك‭ ‬أنهار‭ ‬بلاده‭ ‬وحدائقها‭ ‬الغناء‭ ‬وجزرها‭ ‬المرجانية‭ ‬التي‭ ‬تصنف‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬الأفضل‭ ‬والأجمل‭ ‬‮ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وشواطئها‭ ‬الرملية‭ ‬الممتدة‭ ‬لعشرات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬،‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬وإيجاد‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬تؤمن‭ ‬له‭ ‬ولأسرته‭ ‬قوت‭ ‬يومهم‭ !‬‮ ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬حسن‭ ‬يعبأ‭ ‬بظروفه‭ ‬الحياتية‭ ‬وشظفها‭ ‬بعدما‭ ‬قادته‭ ‬إحدى‭ ‬الليالي‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭ ‬شيتاجونج‭ ‬مع‭ ‬أقرانه‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬اللاعب‭ ‬الأرجنتيني‭ ‬ليونيل‭ ‬ميسي‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬مباريات‭ ‬فريقه‭ ‬برشلونة‭ ‬لتبدأ‭ ‬حكاية‭ ‬عشقه‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬“ميسيّاً”‭ ‬وأرجنتينيّاً‭ ‬،‭ ‬فأمضى‭ ‬مراهقته‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬،‭ ‬وبرغم‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬رقما‭ ‬بارزا‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المنتمية‭ ‬لخارطة‭ ‬أبرز‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الشاسعة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إنجازات‭ ‬اللعبة‭ ‬أو‭ ‬وجود‭ ‬دوري‭ ‬محترف‭ ‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬شغف‭ ‬المواطنين‭ ‬هناك‭ ‬بكرة‭ ‬القدم‭ ‬اللاتينية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬وقطبيها‭ ‬الأرجنتين‭ ‬ومعشوقهم‭ ‬دييجو‭ ‬مارادونا‭ ‬ونظيرتها‭ ‬البرازيل‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬الأنظار‭ ‬في‭ ‬مسابقات‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬المتتالية‭ ‬والطرق‭ ‬المجنونة‭ ‬للتشجيع‭ ‬وتلك‭ ‬الأخبار‭ ‬المشؤومة‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬بنغلاديش‭ ‬لإنتحار‭ ‬عدد‭ ‬لابأس‭ ‬به‭ ‬بعد‭ ‬تبخر‭ ‬حلم‭ ‬الفوز‭ ‬بالكأس‭ ‬العالمية‭ ‬لمنتخب‭ ‬الأرجنتين‭ ‬الذي‭ ‬يملك‭ ‬القاعدة‭ ‬الجماهيرية‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬البلاد‭!‬

انضم‭ ‬حسن‭ ‬إلى‭ ‬قوافل‭ ‬الشغوفين‭ ‬بكرة‭ ‬القدم‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬التي‭ ‬نثر‭ ‬فيها‭ ‬ميسي‭ ‬من‭ ‬سحره‭ ‬الكروي‭ ‬المعتاد‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الكامب‭ ‬ناو‭ ‬أمام‭ ‬مرأى‭ ‬جمع‭ ‬غفير‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬العاشق،‭ ‬لتكون‭ ‬المباريات‭ ‬متنفسه‭ ‬وملاذه‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬شاق‭ ‬من‭ ‬الكد‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬صيانة‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬طوال‭ ‬النهار‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬العاصمة‭ ‬مسقط‭ ‬مكان‭ ‬سكناه‭ ‬الجديد،‭ ‬ولم‭ ‬يكتفِ‭ ‬بمتابعة‭ ‬نجمه‭ ‬الأول‭ ‬ليونيل‭ ‬ميسي‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬متابعته‭ ‬لكل‭ ‬اللاعبين‭ ‬الأرجنتينيين‭ ‬الذين‭ ‬لازال‭ ‬يؤمن‭ ‬بقدرتهم‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أمله‭ ‬وحلمه‭ ‬لإعادة‭ ‬الكرة‭ ‬الأرجنتينية‭ ‬لمنصات‭ ‬التتويج‭ ‬بعد‭ ‬غياب‭ ‬طويل‭ ‬منذ‭ ‬آخر‭ ‬فوز‭ ‬ببطولة‭ ‬قارية‭.‬

ينتقل‭ ‬حسن‭ ‬بشغفه‭ ‬لأعلى‭ ‬المراتب‭ ‬حيث‭ ‬يوفق‭ ‬بإيجاد‭ ‬مقهى‭ ‬يبث‭ ‬مباريات‭ ‬الدوري‭ ‬الاسباني‭ ‬وكأس‭ ‬الملك‭ ‬والبطولات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأخرى‭ ‬يرتاده‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬عشاق‭ ‬الكرة‭ ‬ويصل‭ ‬بمعرفته‭ ‬عن‭ ‬اللاعبين‭ ‬والاندية‭ ‬والبطولات‭ ‬للحد‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬يتقن‭ ‬الحديث‭ ‬بلغة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاهداته‭ ‬الحية‭ ‬ومقاطع‭ ‬اليوتيوب‭ ‬ومتابعته‭ ‬لأبرز‭ ‬الصحف‭ ‬والمواقع‭ ‬الرياضية‭ ‬ليدخل‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬وصف‭ ‬غاليانو‭ ‬لمشجع‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭:‬

“‭ ‬المدينة‭ ‬تختفي،‭ ‬الروتين‭ ‬ينسى،‭ ‬ولايبقى‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬المعبد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الحيز‭ ‬المقدس،‭ ‬تعرض‭ ‬ألوهيتها‭ ‬الديانة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لملحدين‭ ‬بين‭ ‬معتنقيها‭ ‬“‮ ‬

فتجده‭ ‬بسحنته‭ ‬السمراء‭ ‬وأسنانه‭ ‬البيضاء‭ ‬اللامعة‭ ‬فرحا‭ ‬بوجه‭ ‬دائري‭ ‬تغور‭ ‬فيه‭ ‬عينان‭ ‬حالمتان‭ ‬يقتصي‭ ‬من‭ ‬المقهى‭ ‬زاوية‭ ‬يمنى‭ ‬يزاحم‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬الشباب‭ ‬العماني‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬مدى‭ ‬عشقه‭ ‬لميسي،‭ ‬فهو‭ ‬يؤمن‭ ‬بنجمه‭ ‬الأوحد‭ ‬والذي‭ ‬رفض‭ ‬مقارنته‭ ‬بأي‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬أخاه‭ ‬عدا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لاعبا‭ ‬آخر‭! ‬فليونيل‭ ‬ميسي‭ ‬بالنسبة‭ ‬له‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬أولوياته‭ ‬وطموحاته‭ ‬وحياته‭ ‬التي‭ ‬رغم‭ ‬بساطة‭ ‬امكانياتها‭ ‬ومنغصاتها‭ ‬المستمرة‭ ‬الا‭ ‬انها‭ ‬لم‭ ‬تمنعه‭ ‬من‭ ‬التواجد‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬بالموعد‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬مباراة‭ ‬لنادي‭ ‬برشلونة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مباراة‭ ‬السوبر‭ ‬الكتالوني‭ ‬ضد‭ ‬نادي‭ ‬جيرونا‭.‬

“‭ ‬إنه‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬المباراة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬صرع،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يراها‭! ‬فما‭ ‬يهمه‭ ‬هو‭ ‬المدرجات،‭ ‬لأن‭ ‬ميدان‭ ‬معركته‭ ‬في‭ ‬المدرجات”

هذه‭ ‬هي‭ ‬حال‭ ‬صديقنا‭ ‬البنجالي‭ ‬وهو‭ ‬يشخص‭ ‬ببصره‭ ‬تجاه‭ ‬الشاشة‭ ‬وقت‭ ‬المباريات‭ ‬حيث‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬عالمه‭ ‬ونشوته‭ ‬غير‭ ‬آبه‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬يصب‭ ‬جل‭ ‬تركيزه‭ ‬على‭ ‬فريقه‭ ‬وما‭ ‬سيفعله‭ ‬ملهمه‭ ‬ومعشوقه‭ ‬ليونيل‭ ‬بالفرق‭ ‬الأخرى‭. ‬يطير‭ ‬قلبه‭ ‬فرحا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هدف‭ ‬أو‭ ‬صناعة‭ ‬لهدف‭ ‬أو‭ ‬مهارة‭ ‬استثنائية‭ ‬للاعب‭ ‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬حظه‭ ‬انها‭ ‬تتكرر‭ ‬بشكل‭ ‬اسبوعي،‭ ‬وينتشي‭ ‬لأي‭ ‬فوز‭ ‬ينتشله‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬الحياة‭ ‬ليشعر‭ ‬بلحظات‭ ‬من‭ ‬سعادة‭ ‬عادةً‭ ‬ما‭ ‬يتقاسمها‭ ‬مع‭ ‬مشجعي‭ ‬النادي‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬العمانيين‭ ‬وأولئك‭ ‬الوافدين‭ ‬القلة‭ ‬المتواجدين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأوقات‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬وفي‭ ‬غمرة‭ ‬شعور‭ ‬تذوب‭ ‬معها‭ ‬الاختلافات‭ ‬العرقية‭ ‬والدينية‭ ‬وحتى‭ ‬الثقافية‭ ‬واللغوية‭ ‬لتبقى‭ ‬صادحة‭ ‬لغة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬تحلق‭ ‬بالجميع‭ ‬لآفاق‭ ‬من‭ ‬سرور‭ ‬غامر‭.‬

“‭ ‬منذ‭ ‬كنت‭ ‬صغيراً‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬لاعب‭ ‬كرة‭ ‬قدم،‭ ‬لازلت‭ ‬اللاعب‭ ‬رقم‭ ‬واحد،‭ ‬أفضل‭ ‬الأفضل،‭ ‬ولكن‭ ‬فقط‭ ‬خلال‭ ‬أحلامي‭! ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬استيقظ،‭ ‬أقر‭ ‬بأن‭ ‬لدي‭ ‬ساقين‭ ‬متخشبتين،‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬خيار‭ ‬لي‭ ‬سوى‭ ‬محاولة‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬حالما‭ ‬“‭ ‬كما‭ ‬عبر‭ ‬غاليانو‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“بتصرف”‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬حلمه‭ ‬بأن‭ ‬يصبح‭ ‬كاتبا،‭ ‬يتمسك‭ ‬حسن‭ ‬البنجالي‭ ‬بحلمه‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬أيقونته‭ ‬ليونيل‭ ‬ميسي‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬ومصافحته،‭ ‬فهو‭ ‬الحلم‭ ‬الذي‭ ‬يبقيه‭ ‬متحفزا‭ ‬ويلوذ‭ ‬بمعاناته‭ ‬إلى‭ ‬ملاذ‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الآمن‭ ‬والمريح،‭ ‬عله‭ ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬حظا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬القريب‭ ‬العاجل‭.‬

ليصدق‭ ‬بيل‭ ‬شانكلي‭ ‬في‭ ‬قوله‭:‬”‭ ‬يعتقد‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬مسألة‭ ‬حياة‭ ‬أو‭ ‬موت،‭ ‬للأسف‭ ‬هذا‭ ‬يجعلني‭ ‬حزينا،‭ ‬هي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬بكثير‭.. ‬“

فهي‭ ‬بالنسبة‭ ‬لحسن‭ ‬وأمثاله‭ ‬ولنا‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة‭ ‬يتعلم‭ ‬منها‭ ‬المشجع‭ ‬كيفية‭ ‬محاربة‭ ‬الحياة‭ ‬والاصرار‭ ‬على‭ ‬النجاح‭ ‬فيها‭. ‬‮ ‬

Share.

اترك رد