للملك.. تُذعن كرة القدم..!

0

غازي الشبلي

«كرة القدم تعلمك كيف تعيش الحياة , والحياة تعلمك كيف تعيش كرة القدم» , هذا ما قاله «الملك إيريك» في رسالته إلى جماهير كرة القدم عن الحياة . صقلت حكاية إيريك كانتونا الكثير من جوانب حياته , بل كانت كرة القدم هي المسرح الذي قدم فيه كانتونا عروضه الفنية من إرث عائلته و طفولته المشردة في جبال مارسيليا , حيث كان جده قد بنى منزلا مستفيدا من أحد الكهوف , حيث يقول كانتونا «أنا أتذكر بإنه لم يكن السماح لي باللعب حتى أحمل 10 أكياس رمال لبناء منزلنا في أحد الكهوف , كانت كرة القدم عبارة عن 3 أزواج من الجوارب مربوطة بخيوط أحذية , لقد كان القانون واضحا في تلك الفترة العصيبة , الحي الفقير يحتاج لكرة القدم , وكرة القدم تحتاج للحي الفقير». حمل كانتونا نادي مانشستر يونايتد على عاتقه و حقق لهم لقب الدوري المفقود منذ الستينات في أول موسم له, بل فتح لهم صفحات في كتاب التاريخ , لم  ينفد حبرها بعد . صفقة كانتونا كانت مجرد خدعة وتحايل كبير على جماهير ليدز يونايتد الذي حقق لهم الفرنسي الجنسية , لقب الدوري في تلك السنة , موسم 91-92 , حيث كان كانتونا الرقم الصعب أمام مانشستر يونايتد الذي خسر اللقب لصالح ليدز يونايتد , فقد كان على خلاف كبير مع مدرب ليدز هاوراد ويلينكسون , قال رئيس ليدز «بيل» لفيرجسون « سيقتلونني لو بعت كانتونا , لا يمكنني أن أقول بإنني بعته ب مليون جنيه إسترليني فقط , يجب أن أقول 1.7 مليون جنيه» , توجب على الرئيس بيعه بعد قرار إستغناء الجهاز الفني عن خدماته وكانت فرحة فيرجسون عارمة حيث رد عليه «قل لهم ما شئت».

كان من السهل معرفة أن كانتونا ليس شخصا طبيعيا , فهو إبن عائلة كاتالونية مناضلة , حاربت فرانكو في أواخر الثلاثينيات, لم يكن يسع جده أن يقول كلمة الوداع لمن يحبهم , لإن كل دقيقة كانت فيها أمل حياة , كان جده ضمن 10 الآف مهاجر إسباني في فرنسا التي إستقبلتهم وجعلتهم في مخيم على الحدود الفرنسية الإسبانية . ولدته والدته التي هي أيضا لاجئة من الحرب العالمية الأولى مع عائلتها قادمة من إيطاليا  إلى فرنسا بحثا عن حياة أفضل بعد أن إلتقت بوالده البرت كانتونا . كان هؤلاء اللاجئون يبنون جسرا في سانت إيتيان بعد إتفاق مع الحكومة الفرنسية على إيجاد فرص عمل لهم , والد كانتونا حارب أيضا في الحرب العالمية الثانية . إلا أن إبنه إيريك دمر ما قامت به عائلته من رد للجميل لفرنسا التي إحتضنتهم . إيريك تعلم من جده المناضل , أن وطنه يجب أن يكون ذلك الذي يحتوي طريقة حياته وإن إبن بلده هو الذي يحترمها, كانتونا الذي ضرب زميله في أوكسير , برونو مارتيني , هو نفسه الذي ساند قضية اللاعب الفلسطيني محمد سرسك الذي رأى فيه قصة عائلته . تارة يتعامل كفرنسي يكره العرق الإنجليزي حينما ركل الإنجليزي ريتشارد شو لاعب كريستال بالاس , وتارة أخرى , تعود به الذاكرة التي صنعها له جده , بإنه كاتالوني الهوية , فيهين مدرب منتخب فرنسا هنري ميشيل , ليتم إيقافه وليعلن إعتزاله كرة القدم وترك المنتخب الفرنسي .

إيريك تعلم من جده أن يكره النظام دوما , فقد تشاجر مع زملائه في مونبيليه بعد إعارته من أوكسير لنفس السبب , تشاجر مع الشرطة التركية خلال مباراتهم مع بيشكتاش التركي الحاسمة والتي خسروها , مستوحيا كل ذلك من والد أبيه , الذي قرر محاربة الجنرال فرانكو في عام 1939 وغادر إسبانيا نحو فرنسا بسبب داء ألم به في كبده . كانتونا قال أن مسيرته في كرة القدم , تخبرنا القليل مما لم نعرفه عنه وعن عائلته , كل ما فعله يترجم المعاناة التي مرت بها عائلة أبيه وعائلة أمه . لكنه وبالرغم من ذلك , لم ينس نبل أخلاق جده الذي كان يتقاسم فتات الخبز مع المناضلين ضد فرانكو , حيث أنه كان أكثر اللاعبين حصولا على المال في مانشستر يونايتد وكان اللاعبون الصغار يجمعون الأموال التي يحصلون عليها من عملهم للإعلانات والمقابلات التلفزيونية ما يقارب 800 جنيه إسترليني سنويا , كان بول سكولز ونيكي بوت يضعون حصصهم معا ويقومون بالرهان عليها معه, وكان هو صاحب الحظ الكبير ولكنه يرفض أن يأخذها ويقرر أن يتقاسمها معهم , لإنهم لا يحصلون على مرتب عال , بينما كان الأخوة نيفيل وبيكهام لا يفضلون المغامرة كونهم صغار السن .

شخصية «الملك إيريك» كانت عفوية , فهي ليست مصطنعة وإن كانت نشازة , هي فقط تفسير عميق للحياة التي كابدها في طفولته , هو يلقي عليكم أغنية النضال الكاتالونية الخالدة « إذا أردت أن تكتب عني , فأنت تعرف شعاري , أمام ساحة المعركة , ستجدني في الصف الأول « . هو كان يعتقد بإنه يعيش في ساحة معركة وأن كل الذين لا يعكرون صفو حياته , هم أعدائه ولذلك قال « لقد حصلت على 5 بطاقة حمراء في مسيرتي ولكل بطاقة قصة لا تنسى « . إعتزل إيريك في سن ال 30 بعد أن ربح حربه مع عالم المستديرة حين قرر إعتزالها في وقت مبكر سابقا بعدما حصل على عقوبة الإيقاف , هذه المرة إعتزلها كبطل حينما نال شرف لقب «الملك إيريك» من جماهير الشياطين الحمر و 17 لقبا . إتجه إلى صناعة الأفلام والتمثيل , كونه لديه الكثير من المشاعر التي لم يعبر عنها في كرة القدم , لكن يتسائل الجميع عن سبب إختفائه , ما هو السر ؟ لقد عاد إلى برشلونة , نعم , يمكنكم القول بإنه كان كالطفل الرضيع الذي يزعج الجميع , حتى يعود إلى حضن أمه الحاني , كانتونا قرر الاستقرار تماما في برشلونة , في كنف القرية التي ترعرع فيها جده ..!!

Share.

اترك رد