الكأس في ميناء النواخذة…!!

0

عبدالله الوهيبي 

انطلقت سفن الكنعانين (الفينيقيون) من ضفاف الحواضر الشرقية العمانية على الساحل العماني، لتنشئ حضارات ومدنا على ضفاف حوض البحر الأبيض المتوسط حيث اتخذت مدينة صور ميناءً تنطلق منه تجارة الأقمشة والمعادن الثمينة، متناسين أسطورة أدونيس وموته في الغابة وتحول دمه الى شقائق النعمان وماتبعها من إختفاء الأميرة وحزن الملك أجينور على ابنته وتكليفه لأخيها قدموس بدء رحلة البحث عنها.

تعاقبت الأزمان واجتهد الفينيقيون بالعمل وإزدهر المدينة لتصبح درة الساحل الشرقي لعُمان وبوابتها عبر البحار للعالم والملتقى التاريخي لطرق التجارة العمانية عبر اساطيلها التي كانت تمخر عباب البحار نحو اسيا وافريقيا ويحمل أبناؤها صفات أجدادهم وجذورهم البحرية والتجارية.

في الكويت كانت البذرة الأولى لفكرة تأسيس نادي المدينة لثلة من أبناء صور تحركت جيناتهم للبحث عن الأميرة في الأسطورة التي يذكرها التاريخ ولكن بحكم تغير الزمان طرأ التعديل لتكون الأميرة هي الكأس الغالية التي تزامن انطلاق نسختها الأولى مع عودة المؤسسين للنادي الشرقي وإشهاره بعد ما يقارب عقد من الزمن على تأسيسه خارج الوطن لتبدأ رحلة البحث عن الأميرة مجددا.

كان كل شيء يشي بالزرقة في تلك المدينة الساحلية بدءً من زرقة مياه البحر الضحلة في الميناء وارتفاعا لأعالي السماء، وكان هذا المحيط واضحا للعيان فلم يحتر ولم يتردد المؤسسين في اختيار لون ناديهم الأزرق « البلوز» كما احتار أقرانهم في أقصى جنوب الأرض لاختيار ألوان نادي بوكا جونيورز العظيم في تكرار لقصة الميناء والسفينة السويدية المشهورة.

النادي الجديد فرض نفسه بقوة على الساحة الرياضية في البلاد بعد عشرة أعوام من النضج في ملاعب دولة الكويت الشقيقة وتكون نواته من اللاعبين الذين صقلت مواهبهم هناك، وأبى النادي الا أن يكون تاريخيا كما هو حال مدينته حين التقى بأميرته في أوائل نسخها وعانقها في العام ١٩٧٣ ليسطر أجمل العناوين كأجمل بداية بفوزه باللقب الأول لبطولة كأس جلالة السلطان.

توالت الانجازات الكروية للبلوز وتوسعت قاعدتهم الجماهيرية وبرزت مكانة النادي في الريادة للكرة العمانية ليصبح من أهم الروافد للاعبين للمنتخب الأول واحد حاملي راياته على المستوى الاقليمي والقاري من خلال تكاتف قياداته البارزة وأبناءه عبر تلك الحقب.

وعلى الجانب الآخر ألقت نتيجة مباراة نصف النهائي وتجاوز البلوز عقبة مجيس بظلالها على سكان المدينة وعشاق كرة القدم فيها وارتفعت معدلات التفاؤل في معسكر الفريق وسعت الإدارة الفنية لتوفير البيئة المناسبة وتذليل العراقيل أمام الفريق حتى يصل للمباراة النهائية في أتم استعداد بدني ونفسي، وتخلت بعض الجماهير المتعصبة للناديين الآخرين في ولاية صور العروبة والطليعة عن انتماءها مؤقتا لتنضم في حملة روابط النادي على منصات التواصل الاجتماعي لمؤازرة الفريق الذي يمثل مدينتهم الساحرة في تلاحم قل نظيره. 

وزحفت الجماهير خلف فريقها وتكبدت مشقة الطريق واضعة كل آمالها على الطاقم الفني والاداري بقيادة المدرب الوطني واللاعب السابق للمنتخب الوطني محمد العريمي ومعولة على الكثير من لاعبي الفريق ونجومه، وحين استقرت بهم المسافات في الاستاد الرياضي في العاصمة مسقط بعد الترحال لعدة ساعات جاءت فعاليات اللجنة المنظمة لنهائي الكأس الغالية المميزة والنوعية هذا العام لتخفف عنهم عناء الطريق وعبء القلق الذي يحضر بقوة في مثل هذه المناسبات، ثم ما لبثت الجماهير لتبدأ ترقبها مع صافرة البداية في حين كابر بعضهم بالغناء والاهازيج ليبثوا روح الاصرار والعزيمة لدى لاعبيهم. واصطدمت امالهم بطموحات نادي فنجاء العريق الساعي لتسجيل التاريخ بفوزه بالبطولة العاشرة في مسيرته حين باغتتهم في منتصف الشوط الأول أقدام لاعب فنجاء محمد النجاشي من كرة ثابتة تدخل فيها أحد مدافعي البلوز ليحرز الهدف الأول في المباراة لصالح فنجاء ليعم الصمت برهة ما لبثت أن كسرت حاجزه الجماهير الصوراوية بالغناء والهتاف كما هي عادتهم في مواجهة مثل هذه المواقف.

وحين شدت الجماهير من أزر الفريق تعاقبت الأمواج الزرقاء وتوالت الحملات الهجومية حتى أدرك البديل الناجح جمعة الجامعي التعادل قبل نهاية المباراة بقليل ليجمع شتات الفريق ويلملم جراحه ويبقي الأمل في الملعب قائما حتى تذهب المباراة للأوقات الاضافية، وأصر مدافعوا البلوز للتصدي لكل المحاولات الصفراء وأبوا الا أن يكونوا سدا منيعا أمام مرماهم في حين قرر أيمن المخيني أن يحسم الصراع مبكرا عند بداية الشوط الاضافي الأول، لتصمد دفاعات فريقه أمام محاولات فنجاء لإدراك التعادل وتستمر النتيجة حتى صافرة النهاية. 

وبعد انتكاسات شهدها البلوز في مواعيدهم للقاء أميرة مدينتهم المفقودة ومعانقتهم اياها لثلاث مرات سابقة، ها هي تنحاز لهم مجددا هذا العام لترسو على شواطئهم من جديد، لتعم الفرحة أرجاء الولاية بأسرها، وتقام الاحتفالات كما لم تقم من قبل.

لينتشي أبناء المدينة مجددا بعودة أميرتهم وتبرز فنون المدينة البحرية المميزة والتي تأثرت عبر الأزمان بثقافات ما وراء البحار وسواحل أفريقيا، لتتماهى الألوان في المدينة وتستحيل الى اللون الأزرق! وتتزين عروسها العيجة بمنارتها الشامخة بأبهى حلة في انتظار حافلة الفريق لتركن في ساحات المدينة محاطة بفنون المديما وبوزلف والفنون البحرية الأخرى التي تشتهر بها الولاية.

Share.

اترك رد