كلاسيكو الجماهـــــير.. النار والرماد!!

0

لم يكن فجر الأربعاء فجرا اعتياديا برغم أفول الشمس إلا أن أثرها استمر حتى ساعات الفجر الأولى معضدا بحرارة الانتظار لجموع الجماهير المتسمرين أمام شاشات التلفاز لإنتظار كلاسيكو الأرض كما يحب أن يطلق عليه البعض. ذلك اللقاء الذي يفي بوعوده ويصل بآمال وطموحات العاشقين حد الذروة على مدى ما يقرب مائة عام مضت.

مواجهة المنتخبين العريقين لا تقتصر عادة على أرضية الميدان والتي وشت بالكثير هذه المرة أيضا، حيث كاد البريق الذي ظهر به المنتخب الأرجنتيني أن يكشف هشاشة المنتخب البرازيلي الذي بدا قويا على الورق قياسا على عوامل الاستقرار في جهازه الفني وقوة أسماءه برغم حرمان الإصابة لنجمه الأول نيمار دا سيلفا من الظهور مع منتخبه في مشوار هذه البطولة. نسق الألبيسيلستي (منتخب الأرجنتين) الذي بلغ ذروته في هذه المباراة جعل منها أكثر ندية ومتعة حيث جادت أحداث المباراة بجمل تكتيكية رائعة ولقطات فنية وفواصل مهارية من الطرفين، وحين تمنعت فيها اخشاب المرمى على الأرجنتينيين رافضة اعطاؤهم شرف التسجيل كان مهاجمي البرازيل حاضرين بقوة لكشف زيف قوة الدفاع الأرجنتيني الذي كان يرتدي ثوب الحماسة والتحفيز النفسي محاولا تعويض افتقار لاعبه أوتماندي لأبسط قواعد الإنضباط والتمركز الصحيح زيادة على النجاح في التمرير!!

وكما هي عادة هذه المواجهات التي يختلف فيها الفريقان في أي منهما يستحق الزعامة كرويا ضمن نطاق قارة أساطير كرة القدم ومتعتها، اتفق الفريقان أخيرا أو على الأقل قائدا الفريقين على ضعف التحكيم الذي مثله الحكم الاكوادوري المهزوز رودي زامبرانو الذي نال إنتقاد ليونيل ميسي الأول والنادر في تاريخه الكروي ضد الحكام وعززه واتفق معه زميله السابق في نادي برشلونة دانييل ألفيش قائد منتخب السيلساو. 

ومع صافرة الحكم التي قضت بتفوق المنطق البرازيلي الذي فرضه ذكاء المدرب تيتي بعيدا عن بقية الأحداث، استكمل الكلاسيكو في ميادين أخرى فهو كعادته لا يقتصر على أرضية الميدان ويتمدد عادة الى ساحات شاسعة تتوشحها جماهير البلدين ويتفننون في اظهارها منذ اول لقاء بين المنتخبين العريقين بتأجيج منقطع النظير من قبل آلة الاعلام في البلدين. 

بوادر هذا الكلاسيكو الجماهيري بدأت هذه المرة قبل ليلة المباراة حيث توجهت بعض الجماهير البرازيلية المتعصبة لتشعل التحدي قرب فندق البعثة الأرجنتينية مستعينة بالأهازيج والألعاب النارية التي أسهمت في قض مضجع الكثير من أعضاء البعثة في ليلة صاخبة لم تكن الأولى من نوعها حيث سبق وإن فعلت الجماهير البرازيلية الشيء ذاته في ليلة نهائي كأس العالم 2014م والذي جمع بين منتخب ألمانيا والأرجنتين، وبالطبع ومن بداهة الأمر لا نحتاج للتنويه أن معظم جمهور البرازيل المكلوم  حينها بسباعية تاريخية في نصف النهائي ضد ألمانيا تغلب على جراحه بعد أيام قليلة ليوازن بين جرح المانيا الذي سيندمل لا محالة وبين غصة فوز العدو اللدود والجار الشرير بالفوز باللقب على الأراضي البرازيلية في حادثة كانت لتكون عارا على البرازيليين وقتلا نفسيا لا يمكنهم احتماله. لذا آثرت تلك الجماهير ألا تجمع بين جرحين في بطولة واحدة وكان لها ما أرادت حين فازت المانيا باللقب. 

قصص العداء الجماهيري بين البلدين لم تقتصر على تلك الواقعة بالطبع على امتداد تاريخ اللقاءات كان للصحف في البلدين الأدوار البارزة في اذكاء نار العداوة والتقليل من شأن الخصم بمناسبة وبدون مناسبة، ويذكر التاريخ أن هذا الصراع تم تسييسه إعلاميا ليكون صراع بين أمتين ينتصر من ينتصر فيه لبلده ويتحد المتفرقون في مساره بشتى الألوان.

فالتاريخ كان شاهدا ولا زال على تصعيد العداء وحدته التي وفي حوادث متكررة أودى بعدم اكتمال بعض اللقاءات وانسحاب أحد الفريقين نتيجة لتصرفات الجماهير وعنفها تجاه الفريق الزائر كما حدث في مباراة عام 1937م في الأرجنتين حينما بالغت الجماهير الأرجنتينية على أرضها في عبارات الاستهزاء وتقليد أصوات القرود في مشهد عنصري مقيت دفع المنتخب البرازيلي لمغادرة الملعب قبل انتهاء الأشواط الإضافية لتتبنى الصحافة البرازيلية عنونة اللقاء بــ « لقاء العار». لم تنتظر الجماهير البرازيلية طويلا لتثأر حين فرضت بطولة كأس الروكا التي استحدثها الاتحادين الممثلين لكرة القدم في البلدين تكريما للرئيس الأرجنتيني خوليو روكا نفسها لتمنح فرصة الرد البرازيلي في المباراة الثانية التي اضطر معها الأمن للتدخل وفض الاشتباك بين قائد المنتخب الأرجنتيني وحكم المباراة.

صور العداء القاتمة اتخذت اشكالا عدة وواكبت التطور التقني لتحتل مساحة لا بأس بها على منصات التواصل الاجتماعي التي وفرت بدورها كل التسهيلات للجماهير لتعبر عن هذا التنافس الحاد الذي يصل للبعض حد الكراهية والنكران لأي أمر ايجابي!

الوجه الآخر للقمر!!

المتتبع لمسلسل العداء التاريخي بين جمهور البلدين وتعصبهم الذي يغلب عليه الجانب الرياضي في كثير من الأحيان يدرك حقيقة أن وراء هذا الوجه المظلم بعض الاضاءات وإن كان اشعاعها لا يقوى على إخفاء سطوع شعل النيران التي توقد جذوتها الصحافة في البلدين.

الواقع الاجتماعي بين أبناء البلدين لا يعكس الصورة التي تروجها وسائل الاعلام، فالكثير من البرازيليين يقطنون في الأرجنتين ويعتبرونها ملاذهم الآمن في طريق الهروب من مصائر العنف والجريمة في بعض مناطق البرازيل المعروفة بذلك. وهناك العديد من الأرجنتينيين الذين تربطهم علاقات اسرية واجتماعية بجيرانهم البرازيليين ايضا.

ولذا ولدت بعض المبادرات للتقليل من حدة هذا الاندفاع نحو اقصاء الآخر من بعض أبناء البلدين الذين يتحلون بالتعقل وسط كل هذا التحشيد الاعلامي نحو استمرار أوجه العداء، وان كانت لازالت هذه المبادرات تبقى في اطار الاستثناء بحكم ندرتها الا اننا لا نستطيع اغفالها وجعلها تحت دائرة الضوء ، وكانت معظم هذه المبادرات من الجانب البرازيلي الذي تحسب له هذه المواقف في السعي لإطفاء ما يشتعل من نار التطرف بين الجمهورين.

فبداية الانفتاح على اللاعبين الأرجنتينيين المحترفين في أندية البرازيل ومرورا بمواقف بعض المواطنين البرازيليين في احدى القرى حين أعلنوا تشجيع المنتخب الأرجنتيني في نهائي كأس العالم ٢٠١٤ م ضد ألمانيا واستمرار هذه المبادرات خلال بطولة كوبا امريكا الحالية من خلال المواقف الايجابية التي تلقاها اسطورة كرة القدم الارجنتيني ليونيل ميسي عبر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم الذي دعاه لترك آثار قدمه على ممر الاساطير بالماركانا ، وتكريمه وحسن استقباله مع بقية لاعبي منتخب بلاده في الاندية البرازيلية التي استضافت ملاعبها تدريبات المنتخب الأرجنتيني، لهي محاولات ناجحة نحو اخماد الجمر وتحويله رماداً ولو لبعض الوقت. فسرعان ما أبت بعض القامات الاعلامية الا أن تنفض هذا الرماد وتزيد النار حطبا عندما استنكرت هذا التودد للغريم واعتبرت تصريحات الاعتراف بأفضليته التاريخية من البرازيليين خطوة غير محببة بل جرما لا يغتفر.

مما يجعلنا نؤمن ان الأمر ليس سهلا وإن وجد من يعتقد بضرورة مواصلة هذه الاستثناءات الايجابية الجميلة في المواقف ضد الخصم والتي استحالت معها بعض النيران الى كومة رماد لفترة مؤقتة، وهذا ربما ما يؤكد عمليا مقولة الفرنسي الفيلسوف بول سارتر « في كرة القدم كل شيء معقد، ما دام هناك خصم «.

Share.

اترك رد